.

للأمنيات موعد : سليم

Thursday - 5 Mar, 2009
11:00 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : غذاء العقول

هُنا مُقدمة السلسلة : للأمنيات موعد ، و في هذه التدوينة ستكون أولى القصص ، على أن تكون مجزئة حسبما يستدعي التفكّر .. أي أني جزأتها لنتفكر بالجزء المطروح قبل المضي بالذي يليه .

يقول زكي شهاب ابتداء من الصفحة 117 :

هذه الرغبة الجامحة في الاستشهاد وصفها لي سليم ، أحد أعضاء كتائب عز الدين القسام . لقد أصبح سليم رَجُلًا مكسورَ الخاطرِ و الفؤاد لفشلهِ في تحقيقِ هذه الأمنية . "ما من شيء يصيب المرء بالضيم الشديد و الأسى العميق بقدر فشله في بلوغ الجنة بسبب خطأ تقني".

في العام 1996 ، وقع الاختيار على سليم لينفذ عملية استشهادية داخل الأراضي المحتلة . إلا أنه لم يتمكن من أداء مهمته بسبب هفوة أمنية ارتكبتها خليته العسكرية . كان أفرادها قد فشلوا في تقدير تحركات جنود الاحتلال ، ما أسفر عن بقاء سليم التائق إلى الشهادة حيًا ، بل كأنه في مرحلة وسطية بين الأرض و الجنة . فراح يصلي بأن يحظى بفرصة ثانية .

سليم : شاب في العقد الثاني من العمر ، ممتلئ الجسم ، رفض الإفصاح عن هويته الحقيقية ، إلا أنه وافق أن يتكلم عن انتمائه إلى كتائب القسام ، قال لي و أنا أحاوره في منزله في مخيّم البريج : "إن الشهادة هي بمثابة حلم بالنسبة لي ، إني أطلب من الله في كل صلاة أتلوها ، أن يمنّ علي بهبة الشهادة و ما يترتب عنها من مكافآت ، لدرجة أن هذه الفكرة تراودني عن وعي و عن غير وعي في كل لحظة . "
و يتابع سليم قائلا : "لقد أذعت أمنيتي في السجود ، على مسامع من أعتقد أن لديهم علاقات مع جناح حماس العسكري . و فيما كنت أسير في جنازة الشهيد يحيى عيّاش الذي اغتالته إسرائيل ، و الملقب بـ "المهندس" ، اقترب مني شخص من الإخوان الذين يرتادون المسجد ، وبدا لي واضحًا أنه عليم بأمري ، أفصحت أمامه عن رغبتي بالشهادة ، مؤكدًا تصميمي على تحقيقها ، لكن خيّل لي أنه لم يأخذني على محمل الجد ، لكن بعد أسبوع ...

.. التتمة 1 : التعليق 3 هنا
 التتمة 2 : التعليق 4 هنا . 
التتمة 3 .. الأخيرة : التعليق 5 هنا .


تفكير بصوتٍ عالٍ :
كيف كان وقعُ العودةِ لمنزله بالحياة على نفسه ؟ ، ألسنا "نفرح" إن كُتِبَت لنا "الحياة" من جديد عقب حادثة ؟ .. ما الذي عكس الآية هنا ؟

في العشرين من عمره .. أمامه أكثر مما مضى . ما هي تلك القوة الجبارة التي جعلته يغض الطرف عن سنوات الفتية و يهرول "للموت" بكل ما أوتي من قوة ؟
هل نتحلى بنفس القوة ؟ ، أم أننا استُعمِرنا بقوة حب الدنيا الغاصبة حتى ما عدنا نحتمل قوةً كتلك التي دفعت سليم ؟

  1. التعليق: 1
    رأي أبو عاصم :
    Thursday, 5 March, 2009 عند 3:44 pm الرأي الـ 12

    ألسنا “نفرح” إن كُتِبَت لنا “الحياة” من جديد عقب حادثة ؟ .. ما الذي عكس الآية هنا ؟

    إداركه أن الحياة الحقة هي التي تلي هذه الدنيا الفانية .. وأن هذه الدنيا ليست الا محطة عبور .. نعبر بها إلى الدار الآخرة حيث النعيم المقيم .. أو الجحيم الأليم ..

    بارك الله فيك على هذه الوقفة الجميلة .. ولانزال بشوق إلى التتمة ..

  2. التعليق: 2
    رأي فاعلة خير :
    Thursday, 5 March, 2009 عند 10:06 pm الرأي الـ 386


    حييتَ يا كريم . 

    سبحان الله ، صدقت مئة بالمئة . و لهذا يؤيدهم الله بنصره رغم تخاذلنا عنهم . لكنّا دبّ الوهن في قلوب معظمنا : حب الحياة وكراهة الموت . أو كما قال عليه الصلاة و السلام .

    أسأل الله لي و لك و لكل من طلب بصدق أن نبعث يوم القيامة اللون دم و الريح ريح مسك .  
  3. التعليق: 3
    رأي فاعلة خير :
    Thursday, 5 March, 2009 عند 10:10 pm الرأي الـ 386
    جزء 2 : 
    لكن بعد أسبوع ، فاجأني رجل جالس إلى جانبي في المسجد بسؤالي عما إذا كنت لا أزال مصرا على الاستشهاد . لا بد أنه شعر بالشك الذي راودني ، فذكرني بأنه الرجل ذاته الذي سبق أن التقيته في الجنازة . لم أتعرّف إليه لأن كوفيه لفها حول رأسه حجبت عني جزءًا من وجهه . أجبته على الفور بالإيجاب ، و كان من الصعب علي التعبير له عن مدى غبطتي لسماعي سؤاله . لقد كانت سعادتي لا توصف و لم أصدق أنني سأصبح مقاتلا في صفوف كتائب القسام ، و استشهاديا يمزق العود إربًا إربًا ." 
    خضع سليم ، مع مجندين آخرين من كتائب القسام تم اختيارهما لتنفيذه المهمة نفسها ، لتدريبات تمهيدية قاسية أشرف عليها مجموعة من المجاهدين ، وتهدف إلى مضاعفة قدرتهم النفسية و التزامهم الديني و قدرتهم على التحمل و الكتمان . لقد شملت تلك التمارين الجسدية و العملية ، تلقينهم تقنية استخدام الأحزمة الناسفة . كما تسلموا خرائط مفصلة للموقع المستهدف ، و وضعت بتصرفهم وسائل نقل لاجتياز الحدود . على طول الحدود بين إسرائيل و الأراضي المحتلة ، يمتد حاجز من الأسلاك الشائكة مكهرب ، و بعمق أربعة أمتار ، موصول بمركز إنذار ، يتعرض من يلامسه لخطر الموت . 
    يتبع غدًا بإذن الله ..

    .
    ما حدود قوة سليم التي كانت كفيلة بسد أي لحظات تراجع / ندم خلال فترة التدريب "القاسية" ؟
    هل سنتحملها بأنفسنا التي تشتكي لهب الصيف في السيارات ؟ 

    .

  4. التعليق: 4
    رأي فاعلة خير :
    Thursday, 6 March, 2009 عند 1:19 pm الرأي الـ 386

    جزء 3: 
    يقول سليم : "تعجز الكلمات عن وصف سعادتي لدنو ساعة الصفر ، كنت أختلس النظر إلى أقاربي و أهلي ، متسائلا ما إذا كان بإمكانهم تخمين سبب حماستي . عند حلول اليوم المنشود ، قبّلت يد والدتي و طلبت منها أن تفتخر بي ، ثم قلت لها إني ذاهب في مهمة مدتها شهر ، حتى لا ينتابها القلق بسرعة . غادرت مسرعًا مخافة أن يذوي تصميمي ، رغم أن ملذات الحياة لا تقارن بتلك التي تحص على الاستشهاد و لا يمكنها أبدا أن تقف حائلا دون سعي الشهيد لتنفيذ أمنيته "
    أمضى سليم ذاك المساء يستعد و رفيقيه المجاهدين لتنفيذ المهمة الموكلة إليهم ، لقد صلوا و راجعوا الخرائط و أسهبوا في تلاوة القرآن . و قبل بزوغ الفجر ، شقوا طريقهم عبر حقل قريب من الحدود ، يفصل بين مخيم البريج للاجئين في قطاع غزة و الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948 ، في منطقة تعرف بـ "حجر الديك" . لقد أنشئ مخيم البريج في العام 1949 في وسط القطاع ، على مساحة 528 دنم من الأراضي التي أقيمت عليها سابقا قاعدة عسكرية بريطانية . سكن السواد الأعظم من اللاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم الثلاثة عشر ألف نسمة في الثكنة المهجورة ، فيما أقام الباقون في خيم مؤقتة . في الخمسينيات استبدلت منظمة الأونروا تلك الخيم بمنازل من الإسمنت ، فبات هذا النوع من المباني يشكل السمة المميزة للمخيمات الفلسطينية . 
    مع اقتراب موعد استشهادهم ، تلقى الرجال الثلاثة التعليمات الأخيرة من قائد الخلية العسكرية . كان سليم متأكدًا بأن كل شيء سيسير على ما يرام ، و بأن العملية ستنجح . إحدى أهم التعليمات أفادتهم عن كيفية المناورة و الخداع لتجنب أي خطر محتمل . فقد قيل لهم إنه في حال أطبق العدو عليهم ، على أحدهم أن يذعن ظاهريا لأوامر الاستسلام ، فيما يلوذ الآخران بالفرار و هما يطلقان النار ، بهدف جذب الانتباه نحوهما ، فيما يعمد ثالثهما إلى الاقتراب قدر الإمكان من الجنود الإسرائيليين و يفجّر قنبلته . 
    عند حلول المساء ، اقتربت المجموعة من حاجز الأسلاك الشائكة الحدودي ، و كان سبق لها أن رصدت أفضل نقطة للعبور . لقد أمضى الرفاق الثلاثة ساعات و أيام في مراقبة الحركة اليومية داخل المتسوطنات : بأية وتيرة تمر الدوريات الإسرائيلية ؟ أين تقع النقطة الأقل تحصينا على طول الحاجز الحدودي ؟ ما هو الوقت المناسب الذي تتوفر فيه لهم فرصة اختراق الحاجز ؟  . 
    يتبع بإذن الله ..

    .
    كيف كان وداعه لأمه ؟ هل -فعلا- لم تشعر والدته بما يخالج ابنها ؟ هل كفَتْهُ قبلة قبلتين ، عشرة لقدميها ؟

    مخيم البريج .. "مخيم لاجئين" و في وسط "بلدهم" ؟ ثلاثة عشر ألف نسمة مشردة في المخيم ؟ 
    أينا أحق بأن يمد يد العون ؟ الأونروا ؟ أم نحن -المسملين-؟

    كيف هو شعور مرحلة ما قبل المضي للاستشهاد ؟ فرحة غامرة ؟ خوف من فشل ؟ اشتياق لأحبة نغادرهم بأيدنا ؟ حزن على فراقهم ؟ شوق عارم لتحقيق "الهدف الأسمى" ؟

    التخطيط لكل هذا .. مبهر ! 

    .

  5. التعليق: 5
    رأي فاعلة خير :
    Thursday, 7 March, 2009 عند 3:58 pm الرأي الـ 386

    جزء 4 - الأخير: 
    لقد نجحت خليتهم العسكرية بقطع التيار الكهربائي عن حاجز الأسلاك الشائكة . كما كانوا قد تزودوا ، على سبيل الاحتياط البالغ الدقة ، اعترضت القوات الإسرائيلية الاستشهاديين الثلاثة بعد ثوانٍ قليلة من تقدمهم ، و أجهضت مهمتهم ، دون التسبب بسقوط أي قتيل من الطرفين . عندها ، أصيب سليم بالانهيار . 
    لقد أقرّ بأنه استسلم للبكاء ، و زاد من شعوره بالفشل الذريع خبر نجاح أحد رفاقه في الضفة الغربية في مهمته و استشهاده فيها . لدى عودته خائبا و خالي الوفاض إلى منزله ، أدركت والدته سبب ألمه المبرح ، فأمسكت برأسه بين يديها و نصحته بالصبر قائلة أنه سيحقق حلمه في المهمة المقبلة . 
    في العام 1998 ، أي بعد سنتين ، وقع الاختيار مجددا على سليم لتنفيد عملية أخرى . و لكن .. مرة أخرى و بسبب وجود عسكري إسرائيلي مكثف و غير متوقع ، لم يتمكن سليم الذي أعد نفسه مرتين للاستشهاد ، عاد إلى الحياة حاملًا حقيبته المثقلة بـ "وعد" ناسبف لم يتسنّ له أن يفجره . 
    تمت ..

    .
    هل هو شعورٌ يُحتَمَل ؟! 
    هل أكرمه الله فيما بعد ؟ .. هل يكرمنا ؟ ! 

    .


  6. التعليق: 6
    رأي احمد :
    Thursday, 12 March, 2009 عند 5:25 pm الرأي الـ 3

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    عرض طيب .. بارك الله فيك ..
    تم إضافته لقائمة (الكتب المفضلة) .
    أحمد

  7. التعليق: 7
    رأي فاعلة خير :
    Thursday, 13 March, 2009 عند 7:38 am الرأي الـ 386

    احمد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عرض طيب .. بارك الله فيك .. تم إضافته لقائمة (الكتب المفضلة) . أحمد

    و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

    الكتاب سردٌ لوقائع من ذاكرة الكاتب ، أقل ما بها تُطلعك على الأحداث من وجهة نظر كاتبها .. لكنها تحوي كثيرًا من المواقف / الأمور / القصص التي لم يعايشها سوى الكاتب . و منها سأنتقي ما أدرجه هنا ، كتتمة للسلسلة بإذن الله . 
    جعلكَ الله ممن يُحِبُ .