.

هل تقرأ ما يوافقك فقط ؟

Tuesday - 24 Mar, 2009
00:37 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : غذاء العقول

 منذ زمن بعيد ، و من أكثر المواقف / العبر التي لا تفارقني ، إحدى المحاضرات التي كنت أحضرها في أدب اللغة . كان الأستاذ يحمل الدكتوراة في الأدب ، عربي نشأ في فرنسا و عاش في أمريكا و تنقل بين البلدان العربية .

كان في كل حصة ، بشكل عجيب و عميق و بلسان الواثق مما يتحدثه .. يتحدث عن الهندسة الكهربائية بتفصيل ، و مرات أخرى يستشهد بفن العمارة و أصولها ، و مرة أخرى يتحدث عن التفاعلات الكيمائية و كيف أنها تغير الكثير .. كانت محاضراته لا تُمَل رغم أني في ذلك الوقت كنت لا أميل للأدب بأي صورة و لا أحضر تلك المحاضرات إلا أنها من متطلبات التخصص "لغة" .

كشف لنا لاحقًا عن سره ، و أخبرنا بنصيحة أستاذه له في أيام جامعته . قال له فيها : "احرص أن تكون في كل عام قد قرأت كتابا واحدًا على الأقل في شيء لا علاقة له بتخصصك " . و من بعدها ، اتخذتُ ذلك دستورًا أمشي عليه . ساعدني في ذلك حبي الأزلي للمكتبة / الكتب .

..ليس هذا إلا مقدمةً أبرر بها تحيّزًا قد أوصف به فيما استدعى التفكرَ اليوم . حيث أني مررت بإحدى الموضوعات ، و قرأتُ تحذيرًا من جويدة و مما يكتب / ينظم . و كان تبرير التحذير أن بعضًا مما كتبه يحوي شركياتٍ أو أمورًا لا يقرها الشرع .

لا أخفي تعجّبي ، خاصة و أني أجدُ الكثير من شعر جويدة و كتاباته مما يُعَدُ بديعًا من عدة نواحي ، و يساهم في بناء معرفتي في أمور عدة .

مما استدعى كثيرًا من الأسئلة .. منها :
هل علينا ألا نقرأ إلا ما يوافقنا ؟
بصياغة أخرى : هل لا يقرأ أحدنا إلا ما يرضاه / يعجبه / يتفق معه ؟
أليس في هذا حدٌ لعقولنا ؟

قد يقول قائلٌ أن مثل هذه الأمور قد تجعل المرء ينحرف عن فكره و غيره ، إلا أني أختلف معه فأقول أن في قراءتنا لما كان يخالفنا تقوية لما نحن عليه . لأن ذلك يساعدنا في حجج المخالف و البحث عن الرد عليها بما يوافقنا فنتقوى أكثر على ما نحن عليه .
و لكن هذا لا يعني أني لا أتفق مع ذلك القول إن كان نطاق تعريف القراءة لدى البعض لا يتعدَى قياس الإسفنجة التي تمتص كل ما يمر عليها سواء فسد أو صَلُح . و هذه برأيي قراءة سطحية لا تفيد إلا من كانت صفته بصم كل ما يمر عليه ، و لا أظن الفائدة تتعدى حدود الذاكرة القوية .
إنما القراءة ، في نظري ، تكون إطلاعا على شتى الصنوف / العلوم قراءةً نقدية بعين مجردة تبحث عن الحق أيًا كان . و في اعتناق تعريف كهذا للقراءة ، تنشيط للعقل و زيادة في وعيه و مداركه ، فتصبح عملية القراءة نشاط ذهني يقوم به المرء ليتفاعل مع النص و مع ما يدركه / يعرفه ، و تزيد الفائدة إن كان النص يستدعي المزيد من البحث للتأكيد على ما يرد فيه / تفنيده أو ما شابه .

 

فائدةٌ أختِم بها تفكّر اليوم :

نعمة القدرة على القراءة نعمة يغفل عن شكرها الكثير . إذ أن عملية القراءة عملية معقدة تشمل عدة مراحل يمر بها الدماغ وصولا للنتيجة النهائية : فهم النص فهمًا كاملًا . منها مرحلة القدرة على فك الأحرف و تمييزها صوتيا / كتابيا . و هذه مرحلة يعاني بها مصابو الـ dyslexia أو ما تُرجِمَ في بعض المصادر لـ "عسر القراءة" . و هو مرض لغوي ، سُلِطَ عليه الضوء غير بعيد .. يتمركز حول صعوبة بالغة في القراءة تنعكس أيضا في القدرة على الكتابة .
هذا النوع من الصعوبات منتشر بشكل كبير في الدول العربية ، إلا أنه غير معروف / مجهول و كثيرًا ما يُوصم أصحابه بـ "الغباء" أو "عدم الفهم" و ذلك يعود للتعتيم الذي ينال ذلك النوع من الصعوبات . من أعراضه الكثيرة الانتشار هي الكتابة بشكل عكسي و كأن النص عُكِسَ على مرآة . و قد قيل أن آينشتاين كان يعاني من هذه الصعوبة أيضا .  

حاولت البحث عن الدراسات التي تسلط الضوء على مصابي تلك الصعوبة بالعربية ، إلا أني للأسف لم أجد . و لصعوبة في إيجاد الحالات لم أستطع متابعةَ رغبتي في دراسة ذلك .  

لعلي يومًا إن أسعفني الوقت / الذاكرة أكتب عنه ما رصدته الدراسات.. لأنه يستدعي الكثير من التفكّر في أمر لا يأخذ منا سوى ثوانٍ معدودة لنفعله بينما غيرنا يعاني الأمرّين لفعله . 

 

الحمد لله كثيرًا .