.

ضريبة الشهرة ؟

Thursday - 18 Jun, 2009
04:31 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

في ساعات (عناد) فيما مضى ، كانت إحدى محاولات أمي في ثنيي عما أريد أن تردد مثلا شعبيًا يكثر ترداده من حيث آتي : "العناد أصله كفر" . و كثيرا ما أسمع نصائح النسوة لبعضهن ألا يعطين أبناءهن ما يريدون لمجرد "الإصرار" ، لأن ذلك سيولد في الأطفال طبعا عنيدا .

في ساعة تفكر ، استذكرت صفاتٍ عني كثيرا ما يعيبها من اختلط بي لدرجة ما ، و كان أولها / أكثرها صفة العند ، و لولا خوف من أن يقال عني أني أتهرب من أخطائي أو ألقي اللائمة على غيري لأقسمتُ أن العند جينٌ متأصل في كل خلايا جسدي يأبى الفكاك عني رغم محاولاتي .

فكانت رحلة البحث عن "العناد" . قد ورد ذكر العند في القرآن في عدة مواضع منها قول الله عز و جل في سورة ص : { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } . و ألحقها جل و علا بصفات الكفار العنيد ، الذي يمنع الخير و يعتدي و يجعل مع الله إلها آخر . عُرفًا ، لا أحسب هذا هو معنى العند الشائع .

و يقول "الباحث العربي" ، عناد تأتي من الجذر الثلاثي : "عُنْد" .، لها معاني كثيرة بالطبع ، لكن ما يتعلق فيما انتشر : المعارضة بالخلاف أو المفارقة ، و منها "أن يعرف الرجل الشيء فيأباه و يميل عنه" . عُرفًا ، حسبما أفهم ، حين يقال عن شخص أنه "عنيد" ، فهو شخص يأبى العدول عن رأيه بسهولة أو يصر على ما يريد حتى يجده .

و هنا كانت التساؤلات :
أليس العناد ، إذن ، صورة أخرى من صور "الثبات" ؟
أليس "العنيد" بشكل أو بآخر إنما هو يثبت على حقٍ يراه ؟
.. بالتالي ، أليس العناد مطلبًا شرعيًا يحده أن يكون على حق ؟
ألم يصف زماننا رسول الله صلى الله عليه و سلم "القابض فيه على دينه كالقابض على جمر" ؟ --أليس هذا "عناد" بصورة أو بأخرى ؟
أليس العند هو الدافع الأساسي للمضي قدما نحو شيء نأمله رغم فشل المحاولات المتكررة ؟
أليس ... ؟

شخصيا ، بسبب صفة العند التي أتصف بها ، رزقني الله ثباتا على أشياء كل من حولي عارضني عليها لعدم اقتناعهم / معرفتهم بتفسير الدليل الشرعي الذي يحكم بذلك . و بسببه أيضا ، لا تثنيني عوائقٌ مهما كان كبرها عما أريد --إن أردته حقا ، أفعل المستحيل للحصول عليه لا لشيء إلا لأني "أريده" = عنيدة .

فلمَ ، إذن ، يُربَط العند بارتباطٍ سلبي في مجتمعاتنا ؟ ، هل هو ضربية لشهرة اتصف بها العناد عند أهل الباطل بثباتهم على ما هم عليه ؟ ، أم هو بسبب عدم قدرتنا على فهم حقيقة أن الطرف الآخر ربما يرتكز على أساس صلد / مقنع له فيما "يعند" عليه ؟

فما ترون ؟
هل ، فعلا ، "العناد أصله كفر" ؟


* الصورة لـ Lauren Francis ، من هنا :

http://lauren-francis.com/illo/children/stubborn.html

**ربما يكون السابق تحليلًا دافعه الأكبر هروب من سندان العجز عن التخلي عن عناد أتصف به ، لكنه صادر عن اقتناع / عناد كافي لأثبت عليه . :)

  1. التعليق: 1
    رأي فاطمة أحمد :
    Thursday, 18 June, 2009 عند 8:04 am الرأي الـ 2

    صبيحة هذا اليوم
    قرأت مقال أ.فهد الأحمدي هنا
    http://www.alriyadh.com/2009/06/18/article438626.html
    ثم قرأت مقالكِ هذا
    وربطتُ بينهما

    والرابط أن عنادكِ يمكن أن يُفَسَّر على أنكِ من الأشخاص النادرين الذين يثقون بقراراتهم (ويصدقون عقولهم وحواسهم) حين يتواجدون ضمن مجموعة قبلهم تسير في الاتجاه الخاطئ..

  2. التعليق: 2
    رأي فاعلة خير :
    Thursday, 18 June, 2009 عند 6:24 pm الرأي الـ 386

    حييتِ يا كريمة .

    ربما هي عدم ثقة بقرارات الغير التي تدفع مثل هذا النوع من الإصرار أيضا . لكن ، ربط جميل جدا بين المقالة و العناد ، عميق يستحق كثيرا من التفكر . تبارك الله .
    إذن ، هل من الممكن أن نقول أن العناد أمر إيجابي في تربية الأطفال شريطة أن يصاحبه تربية على الحرص على تتبع الحق أينما كان ؟ . هل إن وصفت زوجة زوجها بالعند نسأل الله لها العون على ما ابتلاها ؟ أم نبرّك لها و نسأل الله لها الحجة لتقنع زوجها بما تريد دون أن يتخلى عن عناده ؟

    اليوم مع كوب الشاي، تفكرت بمواقف أخرى يظهر فيها أثر العناد (سواء سلبيا أم إيجابيا) . و لعل أهم ما كان هو الأعمال الجماعية ، حيث يتطلب أن يكون القرار مشتركا بين الأفراد . هنا قد يكون العناد مصيبة إن لم يكن الشخص العنيد ممن يطلب الحق أو يقتنع بسهولة ، أو لم يكن بالمقابل أفراد المجموعة متقبلين لإصراره و مسايرته .
    و في المقابل ، قد يكون فرصة أكبر لنجاح العمل بكل تأكيد ، لأن مثل هذا العناد و محاولة الأطراف التوصل لنقطة التقاء يعني الكثير من النقاش و الإقناع للوصول للأفضل = ناتجًا أفضل و يرتكز على أساس صلد بعد الكثير من الأخذ و الرد .

    ..

    عودة على المقالة التي أكرمتني بها ، أسأل الله لك البركة و الزيادة ..
    قرأتها أكثر من مرة ، جميلة جدا .
    تخيلت نفسي مكان الأشخاص في المصعد ، ماذا كنت لتفعلين مثلا؟
    عن نفسي ، أول الحلول هو ألا أركب المصعد ، و أفبرك إني تذكرت مكالمة (أرفع الجوال لأذني و أمشي) لأنتظر المصعد الذي يليه أو آخذ الدرج .. أو ممكن أركب و كأني لم أرى شيئا لأنه التفسير الأول الذي طرأ لي و أنا أقرأ أنهم ممكن مثلا في تحدي لفعل ذلك أو بهم مرض أو شيء ما .

    و سرحت في مسألة تتبع المجتمع و الحاجة للاندماج و ما تتطلبه من تضحيات قد تصل لتضحية عن المبادئ أو العقل .. تذكرت مقولة قرأته على إحدى أوراق الرزنامة للصعلوكي تقول :
    "إذا كان رضا الخلق معسورًا لا يُدرَك ، كان رضا الله ميسورًا لا يُترَك " .

    هل من الممكن أن تصل الحاجة للانتماء لحد ترك رضا الله من أجل الحصول على رضا الناس ؟
    كأن مثلا تتخلى فتاة عن حجابها رغبة في الانضمام لزمرة بنات "كووول" ، أو تتخلى عن معتقدات تؤمن بها -"مؤقتا"- ثم ما تلبث أن تنساها ؟

    .. سرحت كثيرا . المعذرة .
    لكن ، أشكرك لعظيم فائدة تفضلت بها عليّ .
    جعلك الله ممن يحب و قربك إليه . :)

  3. التعليق: 3
    رأي وعد الشدي :
    Thursday, 11 July, 2009 عند 4:07 am الرأي الـ 6

    دخلت التخصص الذي تخرجت منه بدافع العناد ..
    فهل هذا عناد حميد؟
    أنظري قلت لك حميد .. لحكمي المسبق أن العناد صفة ذميمة :happy:

    استمري في عنادك .. :angel:

  4. التعليق: 4
    رأي زائر خير :
    Thursday, 16 August, 2009 عند 1:52 am الرأي الـ 7

    شكراً على الموضوع وبودي أن أسأل ما علاقة الشهرة بالعند أظن ما فيه علاقة ممم شيء ثاني أنا خلال أيامي الأخيرة لاحظت أني رجعت للعناد بعد أن طردته فيما مضى لكن لا أدري كيف تسلل لي
    خلال هذه المدة عرفت أن العناد شيء مذموم برغم أني كنت أتصور قبل اليوم أني عندما أتمسك برأيي وأكون على صواب أن هذا الشيء اسمه عناد وأن فيه فرق بين عناد محمود وبين عناد مذموم
    أظن لازم يكون فيه فرق بين العناد وبين المصطلح اللي من المفترض أنه يكون مقابل له
    أما بالنسبة للمثل اللي ذكرته والدتك حفظها الله فأول ما سمعته هزني تعرفون ليه يمكن أنتم ما اهتزيتوا له مثل ما أنا اهتزيت طبعاً السبب هو أني أول مرة أسمعه وعلشان كذا فكرت فيه شوي ولقيت معناه صحيح وخطر جداً لأن إبليس هو أول من كفر وكان كفره بسبب العناد علشان كذا ما سمعت أنه ورد في الماضي ولا في الكتب أن أحد يمدح العناد لكن احنا نتوهم هذا الشيء والا العناد كله مذموم والمفترض أننا إذا كنا على حق ما نقول احنا عنيدين بل نقول نحن على صواب وعلى حق ومتشبثين ومستمسكين وثابتين فلا نصف أنفسنا بالعناد المطلق
    أما إذا أردنا أن نصف أنفسنا بالعناد فإننا نقيده بالأمر أو الشيء الذي نعاند فيه بحجة أننا على صواب كأن نقول أنا أعاند نفسي على ارتكابها للمحذور
    هذا ما بدا لي ولو كنت مكانكم لقلت نفس ما قلتوه والله يكفينا وإياكم شر العناد ما دمرنا إلا العناد

  5. التعليق: 5
    رأي فاعلة خير :
    Thursday, 17 August, 2009 عند 9:22 pm الرأي الـ 386

    الكريمة / وعد الشدي :

    سبحان الله .. على ذكر التخصص ، أعرف الكثير ممن "عاند" و دخل تخصصا عارضه الكل ، إلا بسبب معارضة من حوله يصر و يلتزم بالتميز ليثبت صحة اختياراته . و المثل لعدة مطبات تحدث في حياة الشخص .

    زادك الله تميزا و جعلك من أوليائه . :)
    شاكرة .

  6. التعليق: 6
    رأي فاعلة خير :
    Thursday, 17 August, 2009 عند 9:31 pm الرأي الـ 386

    الكريم / زائر خير :

    الشهرة ربطتُها بشهرة أهل السوء و "عنادهم" ، كما إبليس كما تفضلتَ و وضحتَ ، و فرعون و غيرهما كثير .

    اممم .. أظننا نختلف في تعريف مفهوم "العناد" ، والذي بدوره يرتكز على تجارب مختلفة مع العناد . شخصيا ، عنادي كان الدافع وراء كثير من خير حصل لي ، من بعد فضل الله . لأنه غالبا ما كان يحملني مسؤولية قراري / فعلي الذي "عندت" فيه متحدية توقعات من حولي ، فيدفعني لأن أصر على إتقان ما أفعله أو أحرص على أن يكون كأفضل ما يكون .

    لا أختلف معك في فكرة أن العناد ، كما كل شيء ، قد يكون بابا للشر .. لكنه أيضا بنفس القدر من الفرص قد يكون بابا للخير . الاختلاف ، حسبما أرى ، يعتمد على ماهية المفعول به في عملية العناد .. مثلا ، الثبات على حق على رغم من مخالفة المحيط بالشخص ، ضرب من العناد .. أليس كذلك ؟

    ثبتك الله على الحق و جعل آخر كلامك من الدنيا "لا إله إلا الله" ، و من أمن .
    ممتنة.

  7. التعليق: 7
    رأي أتفكّر.. بصوتٍ عالٍ | مجلة ديوان :
    Thursday, 5 June, 2010 عند 1:24 am الرأي الـ

    [...] إلى الجمود أو التبعية العمياء، فتجدها مثلا تتساءل في ضريبة الشهرة عن حقيقة مثل لطالما رددته أمها على مسامعها منذ الصغر: [...]

  8. التعليق: 8
    رأي سنان :
    Thursday, 21 August, 2010 عند 2:42 am الرأي الـ 1

    السلام عليكم،

    شدني المقال كثيرا حتى نهايته وأثار الكثير في داخلي، وافادني جدا. فأحببت أن أذكر شيئا ربما لم تنتبهٍ عليه. ألا وهو معاني الكلمات المترادفة في اللغة، واختلاف الإنطباع المتعلق بها.

    فمثلا، كلمتي (داهية) و (خبيث)، متشابهات في المعنى، ولكن الإنطباع مختلف، فإن اردت أن أمدح شخصا في ذكاءه قلت أنه داهية كما قالت العرب (داهية العرب عمرو بن العاص). أما إن أردت أن أذمه فسأقول أنه خبيث.

    وكذلك الأمر مع العناد والثبات. فالعناد تصف الأمور السلبية (كما وصف الكفر بالعناد وليس العكس). والثبات للأمور الإيجابية. كالثبات على الحق.

    أتمنى أن تكون فكرتي قد وصلت.