.

تجربة غوص !

Friday - 3 Jul, 2009
12:32 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : بُعد إلكتروني

(ترجمته : "دوّن ، أو لا تدوّن .. ذلك هو السؤال" --تصرف بنص شكسبيري )

المدونات ، عالمٌ آخر . بعدٌ آخر . سمِه ما شئت ، لكنا لا نختلف حتما أنه يتميز بخواص تميزه دونا عن غيره من طرق التواصل / الكتابة / التعبير / ... ، خواصٌ جعلت منه كيانا قائما بحد ذاته يستحق كثيرا من التفكر و يحوي الكثير الكثير من الدروس عن الطبيعة البشرية و كيف آلت أو ربما كيف ثبتت ! .

أما بعد

رغم أن الجانب التاريخي من الأشياء عادة ما يعتريه الملل و الرتابة ، إلا أننا ، كما في أي بحث نبدؤه ، نحتاج أن نعي ركائز مادة البحث التاريخية التي بنيت عليها حتى نعي الصورة بكامل أبعادها -ما استطعنا- و نعطيها حقها من التقدير . أو أقله يشبع فضولا يعترينا .. "كيف بدأ ؟ " .

تعددت الروايات ، كما دائما ، في أول مدونة نُشِرَت على الإنترنت ، إلا أن كل الروايات تتفق أن أول من جعل لهذا الفن مصطلحا خاصا و هوية تميزه هو Jorn Barger في ديسمبر من عام 1997 حين أطلق عليه لقب : Weblog (ويبلوج) ، و الذي اختصره Peter Merholz لاحقا في عام 1999 إلى ما هو متعارف عليه الآن : blog . و لتُظهِر اللغة -أعني أي لغة بشكل عام- قدرتها الفائقة على التشكل لتناسب مستخدميها ، تم تبني الكلمة في الإنجليزية لتكون فعلا و اسما للكتابة و النشر على الإنترنت .

كان انتشار المدونات من بعدها يتنشر بشكل معقول و هادئ نوعا ما ، و على الرغم من ذلك ، فإنه شكّل في آنه تضخما غير معهود في المدونات التي يتابعها القراء مما حدا بـ Brigitte Eaton أن تقوم بجرد قائمة بالمدونات التي تعرفها معتمدة آلية قائمة على أن تكون "المدونة" تحوي مدخلات مؤرخة ، دون تحديد لنوع التدوين نفسه لأنه في ذلك الوقت كان معظمه ينحو نحو اليوميات .

و من بعدها في أغسطس 1999 ، طُرِحَت خدمة الـ Blogger على الإنترنت لتعرض خدمة التدوين المجاني تلتها مزودات للخدمة أخرى ، مما سبب انتشارا أوسع و أكثر كثافة مما سبق في المدونات ، و كانت بالطبع الخدمة ليست "متطورة" بخصائصها كما التي نتمتع بها حاليا . و من بعدها بدأت التطورات تُقدَم بعجلة تسير بيسر ، و استخداماتها تتعدد و تتجاوز نطاق "اليوميات " ، حتى وصل بالمدونات الموصول لما هي عليه الآن و بعجلة تطورها التي تسير كأسرع ما يكون !

و يبقى السؤال مطروحا حول بداية عالم التدوين "العربي" و "الإسلامي" ، لكن المصادر في هذا معدومة أو تكاد درجة عدم قدرة محركات البحث على استخراجها .

استراحة فكرية

استراحة فكرية

التركيبة السحرية ، إن صح التعبير ، لهذا العالم تكشف الكثير من المظاهر الاجتماعية التي تسري واقعا ، لكن بشكل نتي ، كمظهر متعارف عليه ، لعلي أسميه "رد الزيارة" . إذ كما هو متعارف حين تزور عائلةُ أبو حسن عائلةَ أبو مصطفى ، فإنه من اللياقة الاجتماعية أن ترد عائلة أبو مصطفى الزيارة . اكتسب هذا المظهر بعدا نتيًا و أصبح المدوِن لؤي في تعليقه على مقالة المدون أكرم ينتظر من المدون أكرم رد الزيارة (التعليق أو الإعلان التلقائي المتبادل في حالتنا) . و يزداد الأمر تعقيدا و حلاوة حين يكون المدون أكرم من الطبقة الاجتماعية التدوينية العليا ، و هي الطبقة التي تماثل طبقة الأمراء واقعا ، إذ يكثر زوارهم الذين لا يتوقعون رد الزيارة و لا أن يؤدي صاحب البيت حق الضيافة (الرد على تعليقاتهم / الإعلان التلقائي المتبادل في حالنا ) .. و يكتفي الزوار بشرف الزيارة . و كما في واقعنا ، لا يتبع بالضرورة كل أفراد المجتمع التدويني هذه المظاهر الاجتماعية التي بشكل أو بآخر تضمن / تسهل بقاء الفرد ذو مكانة في المجتمع التدويني .

و ربما (أشطح) أكثر فأصور المدونات و استخدامها كأداة لممارسة حرية التعبير بالمظاهرات في أول عهدها ، و أتحدث عن هذا ارتجالا * و أقول أن المظاهرات لا بد أنها كانت في أولها صنفا من صنوف الجنون و مدعاةً للمبيت في السجون كما لا يزال الحال في بعض البلدان ، إلا أن المظاهرات الآن أصبحت من شكليات و مظاهر المجتمعات ، العربية خاصة كمؤشر لتجاوب مع الأخبار سرعان ما ينخمد . و بالمثل أظن أن المدونات التي تعارض السياسة و ما شابه من المحظورات تسير على طريق في آخره انفتاح تدويني / حكومي بعد أن يدفع الثمن البعض ، و قد دُفِع و لا يزال .

و كما تكشف تركيبة المنتديات أيضا عن مفاهيم تغيرت تعاريفها بما تتطلبه التركيبة الاجتماعية التدوينية . و أول هذه المفاهيم هو مفهوم : "الخصوصية" ، و هذا أمر متوقع كنتيجة لكون أحد استخدام المدونات هو يوميات منشورة. و أصبحت المعلومات اليومية / الشخصية / العاطفية / ... في المجتمع التدويني لا تحدها خطوط حمراء و لا يُسدَل عليها ستار المعارف المقربين أو الأصدقاء المخلصين ، حتى أصبح بإمكان المتصفح كشف تفاصيل حياة الكاتب و فهم أبعاد شخصيته بيسر يحدده الكاتب (على قدر كشف التفاصيل) ، و لعلها في يوم تتطور و تصبح أداة للـ "خطّابات" تستخدمها بدلا من "الصورة" أو معها لتعطيها للخاطب ، كي يرى إن كان يميل للفتاة أم لا .

استراحة فكرية
كاريكاتير من جريدة الرياض
استراحة فكرية

.. صور و انعكاسات كثيرة تشكل هذا العالم ، و ما كان ما سبق إلا تجربة غوص في أول الشاطئ .. تجربة تفرض تساؤلات أكثر و ربما أعمق ، أولها : متى تتوقف العجلة؟ ، هل سيرها مثل فورة الحليب سرعان ما تهدأ ؟ ، أم ستستمر التقلبات و التغييرات مُنشِئةً مجتمعًا تختلف تركيبته عن مجتمعات ألفناه / نألفها ؟

و بما أن كل ما سبق شكلته أيادي أجيالنا و قُدِمَت على طبقٍ من ذهب لصغار اليوم حتى بات التدوين و القدرة عليه لا شيء يُذكر أمام مهارات "الصغار" .. كيف يكون أثرهم بعد أن يشتد عودهم على كل هذا ؟ هل سيقلبون المعايير كما قلبنا معايير من سبقونا -بشكل أو بآخر ؟ .. هل سيظهر اختراع آخر /خدمة أخرى تجعل من المدونات موضة قديمة أكل الدهر عليها و شرب ؟
هل مع كل هذا .. سيختفي دور الرقيب حتما ؟ -و أعني به العائلي . كما اختفى الرقيب مع الجوالات بعد أن كانت منزلته كمنزلة لبن العصفور ! .

.. أسئلة لا تنتهي . !
رزقنا الله خير هذا كله و كفانا شره ، و جعلنا نسخره لمرضاته و القرب منه .

هامش

* إني من منبري هذا ، أستنكر غفلة منظمات حقوق المرأة الغاشم عن مصطلحات تنسف حقوق المرأة نسفًا مبرحًا أقوى من نسف هيروشيما . كيف لا و قد غفلوا عن مصطلح عنصري كأشد ما يكون : "ارتجالا" و هي كلمة عنصرية بحتة تدلل على تفضيل الرجال على النساء دون أي حق مشروع . و إني من منبري هذا -مرة أخرى- أطالب بالدفاع عن حقوقنا المسلوبة و ردها إلينا باستبدال كلمة "ارتجال" بـ "انتساء" ، و (ما حدا أحسن من حدا) .
^ باب ما جاء في "سخف" إدعاءات منظمات حقوق المرأة ، "العربية" على وجه الخصوص !


**المصادر التي تم الاستناد عليها في المقدمة التاريخية هي :

Blood, R. (2000). Weblogs: A history and perspective. Retrieved July 3, 2009, from http://www.rebeccablood.net/essays/weblog_history.htm
Thompson, C. (2006, February 13). The early years. New York Magazine. Retrieved from http://nymag.com/news/media/15971