.

"أعوذ بالله من كلمة أنا" !

Tuesday - 14 Jul, 2009
22:21 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : بُعد إلكتروني

يرتبط مفهوم الحديث عن محاسن / إنجازات النفس عادة بجانب مظلم يدخل فيه العديد من الأوضاع النفسية كالنرجسية / الغرور و غيرهما مما يُعَدُ مما ساء في مجتمعاتنا ؛ و لذا ربما عبارة شائعة جدا كثيرا ما تُستَخدَم : "أنا .. و أعوذ بالله من كلمة أنا " و الاعتذار أو التردد حين البدء بالحديث عن النفس كأن تُكتَب "السير الذاتية" لغير الأغراض الوظيفية ، مثل تلك التي تتواجد في المدونات ؛ و المتتبع لها -أي السير الذاتية في المدونات- / المتفكر بها يجد بها بعدا آخر يستحق كثيرا من تفكر !


ربما يكون فضول متمكن أو رغبة في استيعاب الشخص بشكل أكبر هو ما يدفعنا عادة لأن نسعى لمعرفة سيرة أو تاريخ متحدث نقرأ له أو نسمع له . و بكل تأكيد ، مهما كان السبب الدافع لذلك ، فإن معرفة (ما هية) الكاتب تساعد كثيرا في فهم كتابته / أفكاره / آرائه / ... بشكل أكبر ، و يؤثر بشكل كبير في مصداقية ما يُكتَب .

و لعوامل عديدة تحدها طبيعة الإنترنت و بداياته في العالم العربي ، أمر كشف الهوية الشخصية -بدرجات متفاوتة تختلف من شخص لأخر- تتبع تدرجًا مشهودًا ، بدأ من نقطة كان الأصل فيها أن يكون الشخص مجهولا بشكل تام و قد يعرفه أشخاص "واقعيين" في محيطه أنه المجهول فلان في المكان الفلاني .. إلى أن وصل الآن لمرحلةٍ الأصل فيها كشف الهوية و التعريف بالنفس ، و يشذ عن هذا عدد غير يسير . و لعله في طريقه لمرحلة يصبح بها الشاذ عن ذلك أمرا غير مقبول !

حتى الآن ، لا يوجد معيار ثابت للتعريف بالنفس "نتيا" ، أي أن الأمر متروك بأكمله للمتحدث ليحدد ما يريد التعريف به من عدمه ، و الصبغة التي يريد أن تكون عليها السيرة .. بل حتى في طريقة تقديمها . و الظريف في الأمر أن هذا يساهم بشكل كبير في اختلاف توقعات الجمهور لما يريد أن يجده / يعرفه في السيرة الذاتية .

لكن الثابت في كلها أن الذي يرِدْ فيها ليس إلا انعكاسا للشخص عن نفسه كما يراه هو ، أو كما يريد أن تراه الناس . و هذا بحد ذاته يحكي الكثير عن الكاتب ، بغض النظر عن المعلومات نفسها أو صدقها . مثلا ، لمَ اخترتُ أن أطلعكم على تخصصي ؟ لمَ لمْ أطلعكم على عائلتي مثلا ؟ <- لا أعرف / أملك إجابة ، فقط أتفكر بصوتٍ عالٍ .
و لمَ يختار كريم أن يخبرنا عن أكلته المفضلة ؟ بينما تعطينا سلمى قائمة بأسماء المدارس التي ارتادتها ؟ في حين أن منير يسرد لنا قائمة إنجازاته ؟

.. أليست كل هذه المعلومات التي يختار المتحدث الإفصاح عنها انعكاسا لما يراه الشخص عن نفسه ؟ ، لِما يظنه هو محددا له و مميِزا له عن غيره، لِما يود أن يذكره غيره به . أليست السير أولا و أخيرا طريقة لتمييز فلان عن علان ؟ . و ربما يرى شخص ما تميزه بكونه لا يتميز عن غيره بشيء .

و عامل آخر يكشف الكثير عن كاتب السيرة هي طريقة تقديمه لها ، كثير منها يمهد السيرة بـ اعتذار / تبرير لكتابتها و كأنه سيرتكب جُنحَة ، و قد شاعت هذه المقدمة حتى أصبحت كالـ cliché : "لا أحب أن أتحدث عن نفسي و لا أعرف ماذا أجده .... " . مما ، شخصيا ، أجده يكشف عن شخص ربما لم يعتَد التعريف بنفسه ، أو ربما لا يرى أحقيته في التعريف عن نفسه أو ... . بينما حين نجد من يقدم سيرته في المدونة على شكل سيرة ذاتية تُقدَم للعمل فهذا قد يكشف عن الشخص أنه يرى نفسه مرتبطا بإنجازات "ملموسة" / عملي / ... . *

و لعلي (أشطح) أكثر .. فأتساءل ، لمَ الحاجة للتعريف بالنفس ؟
هل لأني أريد أن أشبع فضول القارئ ؟
أم لأني أريد أن يفهمني القارئ ؟

بصياغة أخرى ، ما الذي من المفترض أن يُدرَج في تلك السير ،
هل ما يريد /يتوقع معرفته القارئ ؟ أم ما أظن القارئ يحتاجه ليفهمني ؟

ما الذي يتوقعه القارئ ؟
و هل من الممكن / السهل تلبيته دون تعريض مفهوم (الخصوصية) للسؤال ؟
و .. ألا تتغير التوقعات من (بيئة) لأخرى ؟
مثلا ، في مدونة تقنية يتوقع القارئ أن يجد قائمة بخبرات الكاتب ، وفي مدونة شخصية يتوقع أن يجد لون الكاتب المفضل ؟

و سؤال آخر .. كان جوابه بشكل أو آخر سبب إغلاقي للتعليقات على (بطاقة الهوية) :
لمَ يتخذ القراء هذه الصفحة مكانا لكيل المديح للكاتب ؟
هل لأن نظرة القارئ للسيرة الذاتية هي أنها مكان لـ (نفخ الريش) / (الاستعراض) ؟
... ؟

.. ماذا عنكم ؟
ما انطباعاتكم عن السير الذاتية في المدونات ؟


* لستُ بأي طريقة أوحي أني مؤهلة للتقييم "النفسي" / الشخصي لأي أحد ، إنما فقط أجهر بخطراتٍ لي حين أقرأ مثل هذه السير .