.

أسرار التخصص : Dyslexia -الجزء الأول

Friday - 21 Aug, 2009
13:36 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : تربية و تعليم

يظن الكثيرُ أن التخصص اللغوي من التخصصات القليلة الفائدة و التي لا تستحق أن يفرد الشخص من عمره بضع سنوات يسبر أغواره ؛ و ذلك مبني على أساس أن التخصص لا يكشف إلا عن قواعد نحوية أو أساليب بلاغية شاعت في الكتب التحضيرية اللغوية ، أو على الأقل في سنوات الدراسة ما قبل الجامعة ، مما يبعث في النفس كثيرا من الملل و السأم .

لا أخفيكم ، كنت أعتنق ذات الاعتقاد عندما دخلت التخصص ؛ إلا أن حصيلة الثلاث سنوات الجامعية كانت كفيلة لتصحح ذلك الفهم و تكشف لي عن الكثير من أسرار التخصص ، أسرار تستحق كثيرا من تفكر بحال البشر ، بحال اللغة و علاقتنا بها ، بنعم الله .. بكل شيء يقع تحت السماء ! .

تتعدد " الأشياء " التي كانت و لا زالت تبهرني باللغة -أعني أي لغة- ، و من باب التفكر بصوتٍ عالٍ ، و رغبة في أن أشارككم متعة لا زلت أستلذها في تخصصي ، وددت أن أفرد أشبه ما يكون بسلسلة ، أخصص كل حلقة منها لكشف سر من أسرار اللغة التي لا يعرفها الكثير ، و لكنها تستحق كثيرا من تفكر لما لها من أهمية في التدبر بخلق الله و عظمته سبحانه و تقدير بعضا من النعم التي يغدقها الله علينا .

سنتناول هذه الحلقة ، ما يعرف بـ الـ Dyslexia (دِسْلكْسِيا) أو ما يُترَجم عربيا لـ " عُسر القراءة " ، و هو صعوبة لغوية ذات درجات مختلفة و أنواع مختلفة ترتكز كلها على صعوبة في القراءة قد يصاحبها صعوبة في الكتابة و/أو الحساب . حتى الآن ، لا يوجد علاج يقتلع المرض من جذوره ، لكن هناك طرق و أساليب تساعد على التخفيف من أثر الصعوبة و تجاوزها . ألغاز ؟ .. لنتدرج معا .

نحتاج ، قبل أن نبدأ ، أن نفهم بعض المصطلحات اللغوية أو الطبية حتى لا أكثر من الجملة الاعتراضية . تصنف الأمراض بشكل عام بأكثر من طريقة ، منها ترتكز على موعد الإصابة و هو نوع من التصنيف الذي يشمل الأمراض بشكل عام ؛ تنقسم لنوعين :

أ. عند الولادة فيكون قد ولِد بالمرض و يسمى developmental
ب. أن يولد طبيعيا ، لكن يصاب بالمرض بعد حادث ما ، و يسمى acquired

مسألة أخرى نوضحها كي نفهم أنواع الدسلكسيا ، هي الكلمات . الكلمات المعروفة لنا و المفهومة / المعتمدة في اللغة ، هي الكلمات الحقيقية . و لأغراض دراسية ، يوجد نوع آخر من الكلمات المُختلَقَة و التي يتم فيها إنشاء الكلمات لتكون شبيهة جدا بالكلمات الحقيقية و يتم اشتقاقها بنفس الآلية المستخدمة في اللغة ، لكن تكون مستحدثَة . و تسمى في الإنجليزية nonsense words .



منذ ما يقارب المئتي عام ، أرِّخ أول ذكر طبي للصعوبة اللغوية ، لكن بنوعها المكتسب فقط ، أي بعد أن كان الأشخاص المصابون لا يعانون من أي شيء ؛ و لم تظهر علامات الصعوبات (فقدان القدرة على القراءة) إلا بعد إصابات دماغية تعرضوا لها . و وُصِفَت الصعوبة في وقتها بعمى الكلمات word blindness . و مما يجدر ذكره فيما يتعلق بالحالات المؤرخة ، أن فرويد في الخمسينات من القرن العشرين قدم وصفا لصعوبات يجدها في القراءة ، لاحقا أدرجت تحت باب الـ Dyslexia . و قد تتالت بعد أول الحالات الموثقة تفاسير مختلفة لسبب / منشأ الصعوبة اللغوية ، و كانت في أولها تندرج تحت باب الصعوبات البصرية ، حتى أصبحت لاحقا تفسر بأنها تمتد لأكثر من ذلك ، و تتعلق بالدماغ / الأعصاب .

و خلال ما يقارب الـ 30 عاما الأخيرة ، عاد الاهتمام ينصب على هذا النوع من الصعوبات في التعلم ، رافقه الاختلافات في أسباب نشوء الصعوبة و ظهور أنواع مختلفة للصعوبات في القراءة ، كل هذا ساهم في تعداد التعريفات المقدمة للدسلكسيا في بداية الأمر ؛ إلا أنه مؤخرا كثر الاعتماد على تعريف المنظمة العالمية للدسلكسيا :

الدسلكسيا صعوبة في التعلم ذات منشأ حيوي أعصابيّ . أعراضه تشمل صعوبة في دقة و / أو طلاقة تمييز الكلمات يصاحبها إملاء ضعيف و ضعف في القدرة على فك الحرف . هذه الصعوبات عادة ما تكون ناتجة عن خلل في الجانب الصوتي من اللغة ؛ و الذي بدوره يصعب التنبأ به مع عدم تأثر القدرات العقلية للشخص و قدرته على المشاركة بفعالية في الفصل . و قد يصاحب الدسلكسيا أيضا صعوباتٌ في القدرة على فهم المادة المقروءة ، و تقليلٌ من المهارة القرائية مما قد يعيق النمو اللغوي للمفردات و المعلومات المحيطة .

و يبدو جليا من التعريف أن الدسلكسيا لا تؤثر على القدرات العقلية للشخص المصاب ، و الذي كان اعتقادا سائدا فيما مضى ، إذ كان يُربَط بين الدسلكسيا و نسبة الذكاء المرتفعة .

بعد أن عرّفنا الدسلكسيا ، لعلك الآن تتساءل/ين عن أعراضها الظاهرة ، أو أنواعها المختلفة . و لا أخفيك أن هذا أحد الجوانب التي لا زالت حتى الآن تبهرني بشكل كبير جدا ! . بعد دراسات عديدة على يد المختصين ، تعددت أنواع الدسلكسيا التي تم استنتاجها و كان ذلك ناتجا عن اختلاف آليات التصنيف / الدراسة . سنتناول بعضا من أنواعها (و أعراض كل نوع) .

لكن ، قبل ذلك ، و لنعي الأعراض بوضوح ، نحتاج أن نفهم كيف تتم عملية القراءة وفقا لنظرية Dual Route Model . و التي تبين إحدى النعم التي نفرط بها كثيرا و لا نتفكر بها ، نعمة القدرة على القراءة ! . تعتمد هذه النظرية على التفريق بين الكلمات المألوفة لدى القارئ و الكلمات الجديدة عليه ، و تفسر قدرة القارئ على قراءة الكلمات بصوت مرتفع من خلال الرسم البياني التالي :



عن طريق استخدام الـ lexical route ، حين يرى القارئ الكلمات المعروفة لديه ، يتسقبلها الدماغ كوحدة معروفة ، يبحث عن مقابلها الصوتي في المخزون العقلي للكلمات ، و ينطق بها ؛ أي أن هذا السبيل في قراءة الكلمات يعتمد على الذاكرة و يساعد القارئ في قراءة الكلمات المألوفة . أما الكلمات غير المعروفة لدى القارئ و لم يسبق له الإطلاع عليها / تخزينها ، فإنها تمر من خلال الـ sublexical route ، حيث يتم فك الحروف و الاعتماد على مهارة الربط بين الحرف و صوته ، و من ثم نطق الكلمة من دون المرور على مخزون الكلمات في الدماغ .

الجدير بالذكر في الاختلافات الناتجة عن استخدام كلٍ من السبيلين ، أن استخدام الـ lexical route فقط يعني أن القارئ سيتمكن من قراءة الكلمات التي تشذ عن القواعد الصوتية ، لكنه لن يتمكن من قراءة الكلمات التي لم تخزن لديه ، أي لم يسبق له الإطلاع عليها أو حتى الـ nonsense words ؛ بينما استخدام الـ sublexical route فقط يعني أن القارئ يتمكن من قراءة الكلمات الجديدة ، لكن لن يتمكن من قراءة الكلمات الشاذة عن القواعد الصوتية أو التي لا تتبع النظام الصوتي للغة -أي الاستثناءات .

من أنواع الدسلكسيا الأساسية و التي كثرت دراستها ثلاثة أنواع ينتشر وجودها في النوع المكتسب ، أعراضها تستدعي كثيرا من تفكر و تستدعي تعظيما لأنعم الله علينا . لكن أدعها للجزء القادم ، و الأخير بإذن الله عن الدسلكسيا .

--

لنتفكر قليلا ..
هل كنت تتصور/ين للحظة أن القراءة مع كل السهولة التي تكتنفها تتطلب كل هذا "الجهد" ؟
أليس عجيبا كيف أن كل هذه العمليات الدماغية تحدث في أقل من ثانية ؟
.. و كيف أن عطل عملية واحدة من تلك العمليات سيمنع القدرة على القراءة ؟
... ؟

الحمد لله كثيرا .