أسرار التخصص : Dyslexia -الجزء الأول
13:36 بتوقيت مكة + 1
يظن الكثيرُ أن التخصص اللغوي من التخصصات القليلة الفائدة و التي لا تستحق أن يفرد الشخص من عمره بضع سنوات يسبر أغواره ؛ و ذلك مبني على أساس أن التخصص لا يكشف إلا عن قواعد نحوية أو أساليب بلاغية شاعت في الكتب التحضيرية اللغوية ، أو على الأقل في سنوات الدراسة ما قبل الجامعة ، مما يبعث في النفس كثيرا من الملل و السأم .
لا أخفيكم ، كنت أعتنق ذات الاعتقاد عندما دخلت التخصص ؛ إلا أن حصيلة الثلاث سنوات الجامعية كانت كفيلة لتصحح ذلك الفهم و تكشف لي عن الكثير من أسرار التخصص ، أسرار تستحق كثيرا من تفكر بحال البشر ، بحال اللغة و علاقتنا بها ، بنعم الله .. بكل شيء يقع تحت السماء ! .
تتعدد " الأشياء " التي كانت و لا زالت تبهرني باللغة -أعني أي لغة- ، و من باب التفكر بصوتٍ عالٍ ، و رغبة في أن أشارككم متعة لا زلت أستلذها في تخصصي ، وددت أن أفرد أشبه ما يكون بسلسلة ، أخصص كل حلقة منها لكشف سر من أسرار اللغة التي لا يعرفها الكثير ، و لكنها تستحق كثيرا من تفكر لما لها من أهمية في التدبر بخلق الله و عظمته سبحانه و تقدير بعضا من النعم التي يغدقها الله علينا .
سنتناول هذه الحلقة ، ما يعرف بـ الـ Dyslexia (دِسْلكْسِيا) أو ما يُترَجم عربيا لـ " عُسر القراءة " ، و هو صعوبة لغوية ذات درجات مختلفة و أنواع مختلفة ترتكز كلها على صعوبة في القراءة قد يصاحبها صعوبة في الكتابة و/أو الحساب . حتى الآن ، لا يوجد علاج يقتلع المرض من جذوره ، لكن هناك طرق و أساليب تساعد على التخفيف من أثر الصعوبة و تجاوزها . ألغاز ؟ .. لنتدرج معا .
نحتاج ، قبل أن نبدأ ، أن نفهم بعض المصطلحات اللغوية أو الطبية حتى لا أكثر من الجملة الاعتراضية . تصنف الأمراض بشكل عام بأكثر من طريقة ، منها ترتكز على موعد الإصابة و هو نوع من التصنيف الذي يشمل الأمراض بشكل عام ؛ تنقسم لنوعين :
أ. عند الولادة فيكون قد ولِد بالمرض و يسمى developmental
ب. أن يولد طبيعيا ، لكن يصاب بالمرض بعد حادث ما ، و يسمى acquired
مسألة أخرى نوضحها كي نفهم أنواع الدسلكسيا ، هي الكلمات . الكلمات المعروفة لنا و المفهومة / المعتمدة في اللغة ، هي الكلمات الحقيقية . و لأغراض دراسية ، يوجد نوع آخر من الكلمات المُختلَقَة و التي يتم فيها إنشاء الكلمات لتكون شبيهة جدا بالكلمات الحقيقية و يتم اشتقاقها بنفس الآلية المستخدمة في اللغة ، لكن تكون مستحدثَة . و تسمى في الإنجليزية nonsense words .


منذ ما يقارب المئتي عام ، أرِّخ أول ذكر طبي للصعوبة اللغوية ، لكن بنوعها المكتسب فقط ، أي بعد أن كان الأشخاص المصابون لا يعانون من أي شيء ؛ و لم تظهر علامات الصعوبات (فقدان القدرة على القراءة) إلا بعد إصابات دماغية تعرضوا لها . و وُصِفَت الصعوبة في وقتها بعمى الكلمات word blindness . و مما يجدر ذكره فيما يتعلق بالحالات المؤرخة ، أن فرويد في الخمسينات من القرن العشرين قدم وصفا لصعوبات يجدها في القراءة ، لاحقا أدرجت تحت باب الـ Dyslexia . و قد تتالت بعد أول الحالات الموثقة تفاسير مختلفة لسبب / منشأ الصعوبة اللغوية ، و كانت في أولها تندرج تحت باب الصعوبات البصرية ، حتى أصبحت لاحقا تفسر بأنها تمتد لأكثر من ذلك ، و تتعلق بالدماغ / الأعصاب .
و خلال ما يقارب الـ 30 عاما الأخيرة ، عاد الاهتمام ينصب على هذا النوع من الصعوبات في التعلم ، رافقه الاختلافات في أسباب نشوء الصعوبة و ظهور أنواع مختلفة للصعوبات في القراءة ، كل هذا ساهم في تعداد التعريفات المقدمة للدسلكسيا في بداية الأمر ؛ إلا أنه مؤخرا كثر الاعتماد على تعريف المنظمة العالمية للدسلكسيا :
الدسلكسيا صعوبة في التعلم ذات منشأ حيوي أعصابيّ . أعراضه تشمل صعوبة في دقة و / أو طلاقة تمييز الكلمات يصاحبها إملاء ضعيف و ضعف في القدرة على فك الحرف . هذه الصعوبات عادة ما تكون ناتجة عن خلل في الجانب الصوتي من اللغة ؛ و الذي بدوره يصعب التنبأ به مع عدم تأثر القدرات العقلية للشخص و قدرته على المشاركة بفعالية في الفصل . و قد يصاحب الدسلكسيا أيضا صعوباتٌ في القدرة على فهم المادة المقروءة ، و تقليلٌ من المهارة القرائية مما قد يعيق النمو اللغوي للمفردات و المعلومات المحيطة .
و يبدو جليا من التعريف أن الدسلكسيا لا تؤثر على القدرات العقلية للشخص المصاب ، و الذي كان اعتقادا سائدا فيما مضى ، إذ كان يُربَط بين الدسلكسيا و نسبة الذكاء المرتفعة .
بعد أن عرّفنا الدسلكسيا ، لعلك الآن تتساءل/ين عن أعراضها الظاهرة ، أو أنواعها المختلفة . و لا أخفيك أن هذا أحد الجوانب التي لا زالت حتى الآن تبهرني بشكل كبير جدا ! . بعد دراسات عديدة على يد المختصين ، تعددت أنواع الدسلكسيا التي تم استنتاجها و كان ذلك ناتجا عن اختلاف آليات التصنيف / الدراسة . سنتناول بعضا من أنواعها (و أعراض كل نوع) .
لكن ، قبل ذلك ، و لنعي الأعراض بوضوح ، نحتاج أن نفهم كيف تتم عملية القراءة وفقا لنظرية Dual Route Model . و التي تبين إحدى النعم التي نفرط بها كثيرا و لا نتفكر بها ، نعمة القدرة على القراءة ! . تعتمد هذه النظرية على التفريق بين الكلمات المألوفة لدى القارئ و الكلمات الجديدة عليه ، و تفسر قدرة القارئ على قراءة الكلمات بصوت مرتفع من خلال الرسم البياني التالي :

عن طريق استخدام الـ lexical route ، حين يرى القارئ الكلمات المعروفة لديه ، يتسقبلها الدماغ كوحدة معروفة ، يبحث عن مقابلها الصوتي في المخزون العقلي للكلمات ، و ينطق بها ؛ أي أن هذا السبيل في قراءة الكلمات يعتمد على الذاكرة و يساعد القارئ في قراءة الكلمات المألوفة . أما الكلمات غير المعروفة لدى القارئ و لم يسبق له الإطلاع عليها / تخزينها ، فإنها تمر من خلال الـ sublexical route ، حيث يتم فك الحروف و الاعتماد على مهارة الربط بين الحرف و صوته ، و من ثم نطق الكلمة من دون المرور على مخزون الكلمات في الدماغ .
الجدير بالذكر في الاختلافات الناتجة عن استخدام كلٍ من السبيلين ، أن استخدام الـ lexical route فقط يعني أن القارئ سيتمكن من قراءة الكلمات التي تشذ عن القواعد الصوتية ، لكنه لن يتمكن من قراءة الكلمات التي لم تخزن لديه ، أي لم يسبق له الإطلاع عليها أو حتى الـ nonsense words ؛ بينما استخدام الـ sublexical route فقط يعني أن القارئ يتمكن من قراءة الكلمات الجديدة ، لكن لن يتمكن من قراءة الكلمات الشاذة عن القواعد الصوتية أو التي لا تتبع النظام الصوتي للغة -أي الاستثناءات .
من أنواع الدسلكسيا الأساسية و التي كثرت دراستها ثلاثة أنواع ينتشر وجودها في النوع المكتسب ، أعراضها تستدعي كثيرا من تفكر و تستدعي تعظيما لأنعم الله علينا . لكن أدعها للجزء القادم ، و الأخير بإذن الله عن الدسلكسيا .
--
لنتفكر قليلا ..
هل كنت تتصور/ين للحظة أن القراءة مع كل السهولة التي تكتنفها تتطلب كل هذا "الجهد" ؟
أليس عجيبا كيف أن كل هذه العمليات الدماغية تحدث في أقل من ثانية ؟
.. و كيف أن عطل عملية واحدة من تلك العمليات سيمنع القدرة على القراءة ؟
... ؟
الحمد لله كثيرا .


Friday, 22 August, 2009 عند 6:44 am الرأي الـ 29
شكر الله لك .. ومقال جيد و ( دسم )
ولكن السؤال الآن هل مدارسنا أو مدرسينا يعطون فكرة عن هذه المشاكل لدى أطفالنا قبل أن يستلموا الجيل ، هل يعرفون كيف يتصرفون أو كيف يخففون من هذه المشاكل اللغوية مثل الدسلكسيا
أم يعتبر الطفل غبي و يرمى في المقعد الأخير في الصف .. وتمر السنين حتى يعتقد هو نفسه أنه غبي
Friday, 23 August, 2009 عند 3:53 am الرأي الـ 10
الحمد لله على عظيم نعمته
تخصصك جذبني هل لي ان اعرف ما اسمه
شكراً لهذه المعلومات الجميلة
Friday, 24 August, 2009 عند 3:01 pm الرأي الـ 386
الكريم / أرسلان :
بالضبط ، هذه إحدى أهم المعوقات في التعليم ، و العبء أيضا يقع على الأهالي لأن التدخل المبكر و محاولة تعليم الطفل طرق التأقلم مع ما لديه مهمة جدا في قدرته على التعلم .
و لعل أحد الأمور المؤسفة كثيرا في هذا ، أن الدراسات التي تسلط الضوء على هذه الصعوبة لدى متحدثي العربية معدومة ، و تطبيق نتائج الدراسات على متحدثي الإنجليزية تكون صعبة جدا لاختلاف نظام الكتابة بين اللغتين . أتحدث عن ذلك بشكل أكبر في الجزء الثاني بإذن الله .
شاكرة لكريم مرورك .
Friday, 24 August, 2009 عند 3:03 pm الرأي الـ 386
الكريمة / نوفه :
زادك الله شكرا لنعمه .
تخصصي : English language ، و الذي أتحدث عنه هنا يقع تحت Learning Disabilities صعوبات التعلم .
حياك الله و زادك من فضله .
Friday, 15 November, 2009 عند 3:38 pm الرأي الـ 1
السلام عليكم
استمتعت كثيرا هنا
بالنسبة لهذا المرض سمعت عنه سابقاً في قصة دومينيك اوبراين Dominic o'brien (بطل العالم في الذاكرة ل٨ سنوات ) صاحب الرقم القياسي في كتاب قينيس الذي ربما لايعلم الكثير انه كان مصابا بهذا المرض في طفولته
ايضا كان مصابا باضطراب نقص الانتباه ADD
Friday, 30 April, 2010 عند 1:37 am الرأي الـ 4
أتفق معكـ كثيراً ما تخبرني صديقاتي "بختك تخصصك سهل" أو "إيش الفايدة من تخصصك؟" !
أنا مستمتعة جداً بدراسة هذا التخصص ويثيرني بشكل خاص مجالي علم اللغويات النفسي و علم اللغويات الإجتماعي إضافة إلى صعوبات التعلم..
من خلال فهمي لتخصصي فهمت أشياء كثيرة تدور حولنا فالحياة في مجملها تراكيب لغوية سواءاً في تعاملاتنا اللفظية أو لغة الإشارة !
التعمق في هذا التخصص جميل جداً ويؤصل قضايا عدة في فكر الإنسان المعاصر من ناحية تكوين الثقافة و الهوية و علاقتها باللغة.. كذلك فهم صعوبات النطق و كيفية التأقلم معها وعلاجها و الحد من تفاقمها ، وغير ذلك كثير !
شكرا لك على طرق هذا الموضوع المهم..