.

21

Monday - 31 Aug, 2009
02:14 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

كثير ما تتربى أنفسنا على طباع تتناسب صعوبة التخلي عنها طرديا مع زمن اكتساب الطبع ، فتكون أصعبها تركا تلك التي اكتسبناها في الصغر . لكن ، السؤال الذي دفعني للتفكر بمسألة الطباع :
هل هذه الصعوبة قد تصل يوما ما لدرجة ( الاستحالة ) ؟ أو على الأقل الاستحالة البشرية ؟
هل يكفي عذر "الطبع غلب التطبع" لتبرير أخطائنا المتكررة ؟ -مثلا فورات غضب دائمة أو ... .
هل كل طباعنا تتبع نفس الدرجة من الصعوبة ؟ .. إن لم يكن ، فما الفرق ؟
و .. في حالة كانت الاستحالة ممكنة ، ماذا عن الطباع التي تؤدي بنا لارتكاب محظور شرعي ؟
أيعقل ألا نستطيع تركها و قد أكد لنا الله عز و جل أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ؟
و .. على أي حال ، أَمِن سبيل للتخلص من / تحسين / تنمية الطباع كما نريد ؟

ينقل الباحث العربي عن لسان العرب أن الطبع هو :

الخَلِيقةُ والسَّجيّةُ التي جُبِلَ عليها الإِنسان.
... قال الأَزهري: ويجمع طَبْعُ الإِنسان طِباعاً، وهو ما طُبِعَ عليه من طِباعِ الإِنسان في مأْكَلِه ومَشْرَبِه وسُهولةِ أَخلاقِه وحُزونَتِها وعُسْرِها ويُسْرِها وشدّتِه ورَخاوَتِه وبُخْلِه وسَخائه.

أو ، بصياغة أخرى كتبَتْها مراسلة عن بحث نفسيّ :

الطباع هي ما تساعدنا خلال اليوم ، تغنينا عن الحاجة للتخطيط و التفكير بكل تفصيل من تفاصيل حياتنا اليومية ، مخففة من عبء العمل و الروتينات المعقدة .

و تتعدد الأمثال في مختلف الثقافات التي تصف علاقتنا بالطباع ، منها : " الطبع غلب التطبع " ، " Old habits die hard " ، " بو طبيّع ما يوز عن طبعه " . و منها ما تحول لأبيات شعر نظمها حمد بن خليفة قائلا :

أبا خليفة إن الطبع غلاب
______ خليقة في بني الإنسان تنساب
و للطبائع علات تحركها
______ و للحوادث حـالات و أسباب

.. و غيرها كثير في مختلف الثقافات و المجتمعات ، كلها تُستَخدم كسبيل للاستشهاد على شماعة ( عجزِ ) شخص عن التخلي عن طباعٍ اعتادها لفترة طويلة . لكن ، هل في اتفاق الثقافات إجابة شافية لعلاقتنا بالطباع ؟ .. لا أظن .

دعونا نبحر إذن في جانب آخر ، يستنتج ذلك البحث النفسي الذي تم في عام 2005 ، أن الطبع يميز عن غيره من الأعمال التي نقوم بها أن عقولنا بُرِمَجَت عليها ، إذ بمجرد أن تمر عقولنا بنفس البيئة المعتادة لذلك الطبع ، تُرسَل إشارات للدماغ ليبدأ بالطبع و يتركه يعمل بشكل روتيني دون بذل جهد كما هو مبذول في الأعمال العادية . في تجربتهم على الفئران المخبرية ، جربوا تنمية طبع لدى الفئران ، ثم محاولة كسره بتزويدهم ببيئة و معطيات مختلفة؛ بعد أن كسروا الطبع -دماغيا- لدى الفئران ، بمجرد أن أعادوا نفس البيئة و المعطيات السابقة ، عاد الدماغ لاستخدام نفس الإشارات التي قد نماها للطبع الذي اكتسبه . و مع عدم توفر تحديثات لذات البحث و عدم قدرتي على إيجاد غيره من التفاسير ، نستطيع أن نستنتج أن الطباع ممكن أن نمثلها بمعادلة رياضية من طرفين ، طرفها الأيمن ثابت =الطبع و طرفها الأيسر = البيئة المحفزة للطبع . غياب أحدها يعني / يؤدي غياب الطرف الآخر .

.. لكن هذا قد يفسر أمر التخلي عن الطباع المستعصية ، ماذا عن تنمية أخرى جديدة ؟
ألا يقال : " ابنك على ما ربِتيه و زوجك على ما عودتيه " ؟ :) ، كيف تنمي الزوجة طباعا تتحلى بقوة كتلك التي نماها الزوج منذ طفولته ؟



طيب ، و ما علاقة الـ 21 بكل ( السالفة ) ؟ :)

في إحدى الكورسات الصيفية فيما مضى ، بدأت الدكتورة الكورس بعرض أهدافها التدريسية التي تشمل جعلنا متابعين مدوامين للأخبار العالمية / الوطنية . كل المدرسين يعرضون أهدافهم ، إلا أنها كانت قد خططت لتطبيقها بحرفيتها . كيف ؟ .. أخبرتنا :

It takes 21 days to build a habit

ترجمته : تتطلب بناء عادةٍ جديدة 21 يوما . و بالفعل ، بعد 6 أسابيع بدأنا بها بمتابعة إجبارية للأخبار -كانت تمتحننا بشكل يومي :/ !- ، و خرجنا منها بأشبه ما يكون بروتين لا شعوري على الصحف و الجرائد و المواقع الإخبارية ، سريعا ما تحول لـ "إدمان" لمن استمر يغذي ذلك الطبع و ينميه حتى أصبح منه و فيه .

جربتُ بعدها ذات "القاعدة" في تنمية عادات جديدة ، ووجدتُ نفسي ، مع تخطيط مناسب / واقعي و إصرار نابع عن قناعة تامة بما أقدم عليه ، أنمي عاداتٍ جديدة كما أتمنى .. طبعا تحتاج في أولها تذكير و انتباه لكن سرعان ما تتدرج لتصبح "على السليقة" ؛ لكن لنتائج أفضل و أدوم ، يأتي العمل بـ "ما يأتي سريعا ، يمضي سريعًا" . بمعنى ، كلما طالت مدة المحافظة على الطبع ، كلما ساهم ذلك في تثبيته بشكل أقوى ليصعب لاحقا كسره .
و الجدير بالذكر أني أيضا حاولت استخدام نفس المبدأ في محاولة لكسر طباع سابقة ، كانت الصعوبة أكبر في البداية و في الثلث الثالث من العملية ، إلا أن التخطيط و الإصرار كانا كفيلين بإعانتي على الثبات ، بما يشمله من بدائل أوفرها و غيره .

و لمن أراد الاستزادة ، هنا مقال مفيد يقدم لكم خطوات عملية لتنمية / كسر الطباع كما تشاؤون :
http://docs.google.com/www.corporatelifewellness.com/press/vistage-14-days.pdf

.. لا تدعوا الطباع تتحكم بكم . ازرعوها باختياركم و ارووها جيدا ، ثم دعوا لها القيادة نحو التميز !
طباعًا حميدة أرجوها لكم . :)
فاعلة خير .

  1. التعليق: 1
    رأي فاعلة خير :
    Monday, 31 August, 2009 عند 2:56 am الرأي الـ 386

    عفوا ! . حصل خطأ ناتج عن أطنان كافيين ، و اعتمدت نشر المقال قبل إتمامه ، بدلا عن "حفظه" لمعاينته . <- ناتج عن طبعي المعتاد في التدوين :/ .

    المعذرة على من اطلع عليه مقتطعا .

  2. التعليق: 2
    رأي malmatrafi :
    Monday, 31 August, 2009 عند 5:04 am الرأي الـ 4

    يالجمال الثقافة هنا ، لدي بضع طباع أسأل الكريم أن يعنني على تركها و أولها الإنترنت و الحاسوب بشكل أوسع ، كثيراً ماحاولت و لم أفلح حتى الآن ، مررت بتجارب عديدة .. و سأدخل هذه معها و أتمنى أن تنجح ، أتمنى ذلك ! .

    هل لديك ثمة مقالات ع أو E / أفكار / تجارب جميلة في هجر الإنترنت ؟
    شكراً لك يا كريمة

  3. التعليق: 3
    رأي احمد ارسلان :
    Monday, 31 August, 2009 عند 5:56 am الرأي الـ 29

    عندما نذكر قصة النبي صلى الله عليه وسلم وذاك الرجل الذي أكل بيده اليسرى ( لأنه تعود هكذا من الصغر ) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل بيمينه
    فقال الرجل ( لا أستيطع )
    فقال له صلى الله عليه وسلم ( لا أستطعت )

    إذا العادة مهما كانت متأصلة بالنفس إلا أن محاولة كسرها تنجح إن صبر الإنسان على ذلك

  4. التعليق: 4
    رأي فاعلة خير :
    Monday, 31 August, 2009 عند 2:54 pm الرأي الـ 386

    الكريم / malmatrafi :

    حيهلا بك يا كريم.

    جميل جدا أنك تطرقت لباب الإنترنت و استخداماته ، نسبة كبيرة جدا من مستخدمي الإنترنت العرب يصنفون بشكل كبير ضمن المصابين بـ Internet Addiction Disorder (إدمان الإنترنت) . في الغرب بدأت المحاولات لاحتواء مثل هذا النوع من الإدمان بدءا بالاعتراف بوجوده و نشر التوعية عنه ، خاصة مع انتشار الشبكات الاجتماعية في الوقت الحالي مما يشجع إدمانا أكبر للنت (توتر / فيسبوك / مدونات / ... ) .

    و لعل السؤال الأول الذي قد يطرأ : متى يكون استخدام النت إدمانا ؟
    هنا امتحان مصمم لتقييم ذلك : http://www.netaddiction.com/resources/internet_addiction_test.htm
    لكن بشكل عام ، تم نشر الكثير من العلامات ، منها على سبيل المثال : زيادة الوقت المتطلب لاستخدام النت / الكمبيوتر ، فقدان القدرة على التحكم باستخدام النت ، تجاهل الأهل و الأصداقاء ، تغير في نظام نومك و تأثره باستخدامك للنت ، التخلي عن أمور أهم أو نشاطات يومية من أجل النت .
    لكن .. هل نحتاج أن نصل لمرحلة "الإدمان" لنقرر أننا بحاجة لتغيير طريقة تعاملنا مع النت ؟
    .. ربما .

    إجابة على سؤال حضرتك ، هنا مقالات قد تجد بها فائدة في طريقة تغيير طباع استخدام النت ، صحيح أنها في باب "إدمان النت" لكن النصائح المقدمة تساعد على تغيير طرق الاستخدام بشكل عام .
    http://www.minddisorders.com/Flu-Inv/Internet-addiction-disorder.html
    http://www.helpguide.org/mental/internet_cybersex_addiction.htm

    هامش : نقطة مهمة جدا غفلتُ عن ذكرها في عملية التخلي عن أو تحسين الطباع ، هي ربط كل ذلك بالله و بشرعه . مثلا ، تحسين طباع الطعام بنية اتباع سنة رسول الله عليه السلام ، نجحت بها بشكل كبير جدا .
    هذا طبعا يخضع له كل شيء ، و قد وصفه الطنطاوي بشكل جميل فقال :

    " ليس في الدنيا عمل لا يدخل فيه الإسلام و يبين فيه حكم الله . "

    زيارة كريمة سعدتُ بها .. و تعقيب طيب أمتعني . :)
    شكر الله لك و رزقك ما تحب .

  5. التعليق: 5
    رأي فاعلة خير :
    Monday, 31 August, 2009 عند 3:11 pm الرأي الـ 386

    الكريم / أرسلان :

    حييت .

    سبحان الله ، لم أكن أعرف بهذه القصة من قبل . و فعلا مثلما تفضلت ، بإحكام الصبر و العزم ، يستطيع الشخص تغيير طباعا كثيرة ، خاصة ما يتعلق بالدين .
    كنت أجده من المستحيلات أن أطبق السنة في استخدام اليد اليسرى في الاستنشاق . لا أستخدم تلك اليد أبدا . لكن مع محاولات فاشلة متكررة ،و تجديد للنية ، بفضل الله تغلبت على الصعوبة و استطعت توظيف اليسرى بشكل أفضل .

    يسر الله لك ما تأمل و جعله لك مما يقربك إليه زلفى .
    شاكرة لكريم تعقيبك .

  6. التعليق: 6
    رأي سموت بالدين :
    Monday, 2 September, 2009 عند 11:24 am الرأي الـ 2

    كلام جميل جدًا
    ويتوافق مع قوله تعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ....}

    أعجبني المقال كثيرًا , وزرع في نفسي العزيمة على تغيير بعض الأمور التي اعتدت عليها ..

    شكر الله لكم ..

    *تم إضافة المدونة للمفضلة (:

  7. التعليق: 7
    رأي فاعلة خير :
    Monday, 2 September, 2009 عند 6:05 pm الرأي الـ 386

    الكريم / سموت بالدين :

    حياك الله .

    سبحان الله ، فعلا . كل شيء ممكن ، طالما أننا نصدق في بغيتنا و خاصة إن كانت تقربنا لله أكثر .

    وفقك الله فيما تنويه ، و جعله لك طريق خير لتميز دائم في دينك و دنياك .
    مرور / إضافة كريمة سعدتُ بهما . :)

    حييت أخرى .

  8. التعليق: 8
    رأي نوفه :
    Monday, 3 September, 2009 عند 5:33 am الرأي الـ 10

    بارك الله فيك غاليتي

    أشعر أني متعبه حقاً من الإنترنت

    و أريد التخلص منه و لكن عملي مركز عليه بشكل كبير

    أما بخصوص طباعي سأحاول البحث عما يضايقني و أتخلص منه

    منحتني فسحة من تنفس فشكراً لك

  9. التعليق: 9
    رأي فاعلة خير :
    Monday, 4 September, 2009 عند 3:35 pm الرأي الـ 386

    الفاضلة / نوفه :

    حيهلا بك :)
    طباع العمل تساهم كثيرا في تشكيل حياتنا ، و الحرص على سلامة هذه الطباع صحيا / اجتماعيا / ... ، مما يضمن لنا بقاء القدرة على الإنتاج لفترة أطول و بشكل أجود / أفضل .

    أعانك الله و يسر لك أمورك و بارك لك في وقتك و جهدك .
    حييتِ أخرى :)

  10. التعليق: 10
    رأي فاعلة خير :
    Monday, 5 September, 2009 عند 5:51 pm الرأي الـ 386

    اليوم نشرت الجزيرة مقالا ، في جولة الصحافة ، مفيدا عن الإنترنت وتطرقت لمسألة "الإدمان" .. قد يكون به فائدة لمن يود قراءة المزيد:
    http://www.aljazeera.net/NR/EXERES/431479B3-7A64-46D4-BDBA-68965E2FFBB7.htm