.

و لو كنت كاملا !

Sunday - 20 Sep, 2009
09:00 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر, فوضى مبعثرة

مررت صدفة على حلقة من حلقات مسلسل "زوايا" ، أعجبني المضمون / الفكرة ، فتابعت الحلقات وصولا للعشرين ربما . رأيت العمل تميز بالخلو من المحاذير الشرعية ، بالنكتة ، بالقيم المطلوبة .. كل حلقة بها مفهوم تحاول تعزيزه أو تأكيد ضرره . و أكثر ما شدني فيه ، قصر مدة الحلقات ، فلا يمل المشاهد .
المسلسل ، برأيي ، حقق إنجازا عظيما ، إذ أنه من النادر في تيار طغى فيه السوء و / أو السخرية بالصور الدينية و/أو المحاذير الشرعية . مما يجعل منه إنجازا يستحق الإشادة بشكل أكبر من أن يسلَط عليه مجهر الرقيب الصارم ، على الأقل مجهر النقد غير المغلف بالتقدير لجهود بُذِلت .


بحثت عنه في جوجل ، لأطلّع أكثر على حيثيات إنتاجه و تصويره ، فوجدت نقاشا مطولا يستعرض الزلل الصادر من المسلسل ، حتى لكأنه صوّر لي أنه أصبح لا يليق بالذائقة الفنية ، و يمتلئ بالخلل و الزلل . و نقاشا آخرا أظهر العكس . مما شدني لكثير من الأسئلة ، التي كنتُ و لا زلتُ أتفكر بها .

هل رضا الناس غاية ممكنة ؟ -في بعض الحالات على الأقل ؟ ، ما هي ؟
أم أنها غاية مستحيلة مهما أحسن الشخص ؟

و .. لمَ ، نفسيا ، نحرص على رضا من حولنا عنا ؟
ألسنا نعمل -المفروض- ابتغاء جنة و خوفا من نار ؟
أم أن رضا الناس من حولنا من المؤشرات التي نستخدمها لتقييم عملنا ؟
-صحيٌ شرعا ؟

و .. هل مقياس طلب الرضا يختلف من شخص لآخر ؟
مثلا ، يحرص الشخص أ على طلب رضا من يهمه أمره فقط ؟ -لكن ، أيضا ، هل رضاهم ممكن ؟
بينما يحرص آخر على رضا شريحة أكبر ، فيتعب أكثر ؟

هل الحل في مثل هذه ( المعمعة ) ، ألا يكترث الشخص لمن حوله ؟
دائما ؟ .. أحيانا ؟ -متى ؟



مما يأخذنا أيضا لـ (موّال) آخر ، موال النقد .

ما هو النقد ؟ -عرفا .
هل هو التقييم الجارح فقط ؟ السلبي ؟ أم مجرد التقييم بكل أصنافه ؟
و .. هل كل تقييم يندرج تحت النقد ؟
هل النقد محصور على "الأعداء" ؟

و .. هل كل شخص مؤهل لتقديم النقد ؟
و بالتالي ، هل كل ناقد يؤخذ بكلامه ؟

ما هي عوامل تقديم النقد ؟ .. أتوجد ؟
و ما هي عوامل تقبّل النقد ؟
و ما الطريقة الأسلم للتعامل مع النقد ؟

من تجارب شخصية مررتُ بها ، وجدتُ أن لا أحد -أبدًا- يسلم من مقص السخط أو عدم الرضا ، مهما بلغ من الدرجات في سلم التميز ، فكلٌ يعرّف التميز على هواه ، ولكل إطار محدود يحكم فيه على الناس . و مع هذا ، فإن النقد ، الذي يقدمه أيا كان ، إن وُظِفَ بشكل سليم ، فهو سبيل لي للارتقاء بنفسي لما هو أفضل ، و ذلك لا يتم إلا إن اتبعت آلية موضوعية قدر الإمكان في تقبل النقد ، تصوغها هيلري كلنتون في سيرتها Living History بشكل جميل ، فتقول :

"Take criticism seriously, but not personally. If there is truth or merit in the criticism, try to learn from it. Otherwise, let it roll right off you."
خذ النقد بجدية ، لكن ليس شخصيا . إن كان به ما هو حق أو يستدعي تأملا ، فحاول التعلم منه . ما عدا ذلك ، لا تكترث له و دعه يمضي .

بصياغة أخرى ، النظر لأولئك الذين ينظرون إلينا بعين السخط كمرأة نصحح بها أخطاءنا قد يجعلنا أكثر تميزا إن وظفناه بشكل صحيح ، و ذلك عن طريق تصفية تلك الانعكسات من خلال (فلتر) نحدده لأنفسنا ، و بناء عليه نخطط لنكون أفضل و نحسن من تلك الأخطاء التي تم عكسها . أما تلك التي يتم تصفيتها خارج الحلبة ، على الرغم من أن تجاهلها قد يكون صعبا أحيانا ، إلا أن النظر إليها كمؤشر للنجاح كثيرا ما يكون محفزا للشخص على أن يثبت على ما هو عليه .

قياسا على سير من عُرِف / اشتهر من الناجحين ، رأيت أن الأمر ينطبق أيضا عليهم ؛ إذ أن حتى الرسل المبعوثين بالحق لم يسلموا من السخط ممن حولهم رغم أنهم كانوا على حق ، و يؤكد ذلك في شرعنا قول صحيح لرسول الله عليه السلام :

لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة

لا يضرهم من خذلهم ، أي أن هناك من سيخذل تلك الطائفة رغم أنها على الحق . و ما الخذلان إلا من صنوف السخط / عدم الرضا ، و قد يندرج أحيانا حتى تعريف النقد لدى البعض . و الأمر لا يتوقف عند حدود الدين بأي حال ، بل يطال أمور الدنيا أيضا ، فلا يكاد يتفق جمعٌ على الرضا عن شيء / شخص ما ، على الأقل ليس في وقته . مثلا ، كالقائل بكروية الأرض في عصره ، و أعلام اليوم ممن وجد لهم من عاداهم بقدر ما وجد من أيدهم .

و في مثل هذا تندرج الكثير من المقولات / الاقتباسات التي يتم تدوالها ، و التي بشكل أو بآخر تحفز الأشخاص على تخطي الحاجز الشخصي الذي قد تتصف به تقييمات الآخرين لمنعها من أن تكون عائقا ، أو أفضل : لجعلها سلمَ بناءٍ نحو الأفضل . من هذه المقولات :

“To escape criticism – do nothing, say nothing, be nothing.” -- Elbert Hubbard
لتتجنب النقد : لا تفعل شيئا ، لا تقل شيئا ، كن لا شيء .

”Do what you feel in your heart to be right, for you'll be criticized anyway .” -- Eleanor Roosevelt
استفتِ قلبك و اعمل على فتواه ، لأنك ستُنتَقَد على أي حال

“If you have no critics you'll likely have no success.”--Malcolm X
إن لم تجد من ينتقدك ، فذلك غالبا لأنك لم تنجح

“Criticism, like rain, should be gentle enough to nourish a man's growth without destroying his roots.” -- Frank A. Clark
النقد ، كما المطر ، يجب أن يكون هينا بما فيه الكفاية ليروي نمو الشخص دون أن يقضي على جذوره

.. لذا ، أظن أن على من أراد أن يصل لهدف يحدده و يبتغيه أن يعمل على إعداد النفس على فكرة أنه حتما سيواجه من لا يوافقه ، و أهم من ذلك على مبدأ التعامل مع النقد بشكل سليم يجعله حجر بناء لا عقبة في الطريق . لأنك مهما فعلت / قلت ، بل مهما كنت كاملا ، ستجد من يوجه إصبع السخط باتجاهك و يظهر لك ما لا يرضيك . و أهم من كليهما ، مبدأ الحرص على السعي لرضا الله سبحانه و تعالى في كل / أي قول أو فعل نقدم عليه ، فقد قال عليه الصلاة و السلام :

"من التمس رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه و أرضى عنه الناس، و من التمس رضا الناس بسخط الله ، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس"
--رواه ابن حِبَان في صحيحه .

زادكم الله تميزا و نجاحا في أمور دينكم و دنياكم .
فاعلة خير .