.

اقتباس و تعليق : فقدان الذاكرة .

Friday - 15 Jan, 2010
02:25 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : غذاء العقول

"الرغبة في معرفة الماضي طبيعة بشرية تكاد ترتقي لمستوى الغريزة . و إذا كان الإنسان الفرد الفاقد الذاكرة يحتاج إلى العناية و الرعاية فالجماعة الإنسانية تحتاج ذلك "

--قاسم عبده قاسم ، من كتابه "إعادة قراءة التاريخ" (2009)

حياة كل منا عبارة عن عملية نراكم فيها المعلومات في الذاكرة لنجترها في وقت آخر ، عاجلا أم آجلا . تلك الذاكرة التي تنتج عن عملية ( الحياة ) تحدد هوية الفرد و تعرّفه ، بل لا يقوم الفرد منا إلا بقيام ذاكرته و صحتها . إذ من خلالها يعي من هو ، و يكوّن خلفيته الاجتماعية / العلمية / العملية التي تجعله قابلا للحياة . و علاقة الفرد بتلك الذاكرة لا تنحصر على مجرد ( المعرفة ) ، إنما تمتد لتشمل قدرته على العمل بتلك المعرفة و الاستفادة منها . مثلا ، ما فائدة المعرفة بالعمليات الحسابية إن لم نكن سنوظفها في شيء نحصل على فائدة منه ؟

بمجرد أن يفقد الفرد ملكية تلك الذاكرة ، يفقد القدرة على العيش سويا .. أو على أقل تقدير ، يفقد القدرة على العيش ( حرّا ) . و لا يستطيع استرداد بعض من حياة حتى يستطيع تكوين شيء من الذاكرة ، و لو كانت بدائية ، تمكنه من الاستمرار و المضي إلى الأمام . بصياغة أخرى : كيف يمضي إلى الأمام من لا ( يذكر ) أين موقعه من الإعراب الآن ؟ .. البارحة ؟

قد يقول قائل أن ذلك غير صحيح ، و أن فاقدو الذاكرة من البشر كُثُر ، و حياتهم قائمة دون الحاجة لتلك الذاكرة . فأقول ( درجة الحياة ) في كل من هؤلاء تعتمد بشكل كبير على مقدار حصيلتهم من الذاكرة ؛ سواء كانت تلك المعلومات المحفوظة في الذاكرة بدائية كطريقة ارتداء الملابس ، أو متقدمة كالنظريات الحسابية و المعادلات الكيميائية .

بالمثل تكون أهمية التاريخ للمجتمعات و الحضارات . فالتاريخ للمجتمع كالذاكرة للفرد . لا يقوم إلا به ، و لا يستطيع المضي قُدُمًا إلا اتكاءً عليه . و السؤال هنا : كم من التاريخ نفقه ؟ . أيكون من المنطقي أن نرجو التقدم و التحضر دون أن نتكئ على علم كافٍ بهويتنا / بماهيتنا ؟

قد أشبعنا -أظن- بنظريات فهم التاريخ من باب فهم أخطاء السابقين و الاتعاظ بحياة الأولين . رغم أن ذلك الفهم و الاتعاظ مهم ، إلا أنه قد أعطي أهمية أكبر من أهمية الربط بين التاريخ و بين تحديد هويتنا ؛ لذلك ، كثيرا ما نجد دروس التاريخ أو عبره تُعطَى إلينا من منظور ( هم × نحن ) بدلا من ( نحن في الماضي ) ، من منظور ( كانوا ) بدلا من ( كنا ) . قد يُظَن أن تلك لغويات لا تسمن و لا تغني من جوع ، لكنها فعالة جدا في طريقة استيعابنا لتلك المعلومات التاريخية و تخزينها ، بل و حتى في البحث عنها . و ذلك يعود بشكل أساسي إلى أن حاجة الفرد لمعرفة ( ذاته ) أهم و أولى من معرفته لغيره .

بوركت مخازن ذاكرتكم و عُمِرَت خيرا .
فاعلة خير .

.