.

إلى جَدّي ، مع الدمعة

Thursday - 21 Jan, 2010
00:29 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

جدّي العزيز ؛

مضت أكثر من عشر سنوات مذ توقفت مسبحتك عن التعداد ، و حُرِم أبناؤك و أحفادك كرامةَ قبلةٍ تُطبَع على قدميك الطاهرتين . عشر سنوات قد لا تبدو ذات قيمة حين تكون وصفا لعمر أحد الأطفال ، لكنها حين تكون وصفا لحالنا ، فهي مليئة حد التخمة !

صبيان الحارة قد أصبحوا رجالا . لا تغرك يا جدي سراويلهم المتدلية شبرا أو أقل بقليل ، و لا يبدل رأيك تصفيفات الشعر المخيفة على رؤوس الكثير منهم ، و لا تفجعك الضحكات المائعة التي تشق طريقها من أفواه معظمهم ، و لا تخيب ظنك الساعات الضائعة من أوقاتهم في ما لا خير يُرجى منه . كل تلك ظواهر لا تسمن و لا تغني من جوع . فالرجولة ، كما الجمال يا جدي ، رجولة الداخل . الرجولة رجولة الداخل .

بنات الجارة قد أصبحن ( ستات بيوت ) و متعلمات . لا تغرك يا جدي أصواتهن التي تعلو من الكثيرات حين يخاطبن أمهاتهن أمام الملأ ، و لا تخيب ظنك الأقمشة التي تكشف من أجساده أكثرهن أكثر مما تستر أو حتى ضحكاتهن التي نفكر كثيرا باستبدال منبهات الاستيقاظ بها ؛ و لا تؤثر على حكمك المسلسلات التركية أو الأفلام الفارغة التي تشغل أوقاتهن . معادنهن ذهب ، و ذلك كافٍ .. مهما علا الذهبَ من صدأ و غبرة و ( قرف ) .

حالنا السياسي ، جدي العزيز ، مستتب بالأمن و الرخاء . فقد أصبح ( المسلمون ) مثل نار على علم . لا تكترث لرجال الأمن الذين يطلبون منا أن ننزع حتى جواربنا في المطارات ، و لا تقلقك التحرشات الأمنية التي تنال المحجبات في الدول الإسلامية قبل الغربية فقد أفتى شيخ الأزهر ببطلان النقاب و يكاد يحررنا من فرض الحجاب بإذن الله . و لا تزعجك ، أبدا ، المضايقات التي تلاحق كل من اتبع هدي رسول الله عليه السلام و أمهات المؤمنين في اللباس . ألم أخبرك أن المظاهر لا تهم ؟

و الحرية التي حُرِمتم منها في زمان شبابك ، قد أُغدِقت علينا حتى فاضت من سواحلنا و طارت من حصوننا . قد أصبح لنا حرية شتم الشيوخ ، و نلنا بفضل الله حرية المشي في الشوارع بملابس لم تكن في عصركم "الحجري" ، و حصلنا أخيرا على حرية مسح بلاط المدارس بالمدرسين "المفتريين" .. و أهم من ذلك كله ، جدي ، أننا نلنا بجدارة حرية تكميم أفواه ورثة الأنبياء عن قول الحق ، ما لم يكن في صف الوالي . نتمتع بالكثير من الحريات حتى كدنا نتحسر على عصر ( مكبوت ) عشتم به . عظم الله أجوركم .

أما العلم .. فهذا لا تسعني الأحرف أن أصف لك تقدمنا به . فقد أصبحت لدنيا جامعات متطورة بأحدث الأجهزة و أثمنها ، و أروقة المدارس أصبحت مكيفة و مزخرفة ، و الكراسي و الطاولات بفضل الله توفر كل الراحة . كل ذلك و أكثر ، و لم يتبقَ لدينا ما يحتاج إلى تطوير أو اهتمام سوى ( العلم ) نفسه لنصل إلى القمة إن شاء الله . لا يهم ، المهم أن يكون البناء جميلا . و كل شيء يتعدل بعدها .. رغم أن المظاهر لا تهم .

أوه .. كدت أن أنسى . أتذكر فلسطين يا جدي ؟ .. لم نعد نبكيها في خطاباتنا ، و لا ندعو لتحرير مسجدها في قيامنا . فقد حررها مخضرمُ مِصْر بأسلحة ( فولاذية ) . و قص الشريط باقي المخضرَمين ، في أحد احتفالات جامعة المخضرَمين العرب . لا أخفيك ، هي جامعة عريقة ثابتة على أسسها و قراراتها ثبات الميت في قبره . و كذا باقي الدول الإسلامية يا جدي تنعم بخير و نعمة ، بما فيها العراق .. قد ( تحرر ) ، كما ( تحررت ) أفغانستان و على خطاها تسير باكستان و السودان .

نحن بخير . و لا شيء يعكر الصفو أو يكدر خواطرنا . رغم أننا كثيرا ما نغبطكم -أهل القبور- و نندب حظنا ، مصداقا لقول رسول الله عليه السلام عن تمني الحي أن يكون مكان الميت إذ يمر بقبره . نحن بخير .

رحمك الله رحمةً واسعة ، جدي . و رحم موتى المسلمين .
حفيدتك المشتاقة .