.

تعريف [ الفرد ] في المجتمع .

Friday - 8 Jan, 2010
20:20 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

الاسم / الجنسية / الجنس / , و غيرها من المتغيرات التي لا يتفق عليها -مجتمعة- شخصان ، نتخذها عادة كطريقة لتمييز الأشخاص عن بعضهم و التعريف بهم ؛ عُرفٌ متأصل منذ زمن بعيد مما جعل منه أمرا مرتبطا بمصداقية الشخص و "معرفته" ، بشكل أو آخر . و أوضح الأمثلة على مثل هذا التأصيل هو اتجاه العالم الرقمي نحو كشف هذه المتغيرات كطريقة لسد حاجة " المصداقية " و " المعرفة " .

لن أناقش مسألة االكشف عن هذه المتغيرات نتيا ، فقد أشبعت طرحا ؛ إنما في صدد مناقشة موقع تلك المتغيرات الموروثة من الإعراب في تعريف ( الفرد ) في المجتمع .

كل هذه المتغيرات الشخصية تقع في نطاق ما لا اختيار / فضل للشخص في اكتسابها ؛ موروثات حصلنا عليها لأننا صرخنا " صرخة الحياة " . و رغم أن هذه المتغيرات تميز الفرد في المجتمع عن غيره في المعاملات الرسمية كما البصمة ، إلا أنها -كما البصمة أيضا- لا تحكي عن الفرد شيئا ، على الأقل مفيدا . مثلا : إن أخبرتك أني أنثى في فئة العشرينيات تسكن دولة خليجية ، و أن لي والدان ينتسبان لقومية عربية غير خليجية .

كيف تغير هذه المعلومات من ( هويتي ) المعروفة لديك مسبقا ؟ .. كيف ( تمثلني ) ؟ أو كيف تحدد معالم ( شخصيتي ) ؟
كيف كانت لتتغير ( صورتي ) -المعرفية أقصد- عما هي الآن ، إن كان اسمي جمانة و كان والديّ من إثيوبيا ؟
كيف يدّعي "معرفتي" من كُشفَت له تلك المتغيرات ؟
و لمَ قد تشكك في مصداقيتي أو معرفتها لي من لا تعرف اسمي و ... رغم علمها بأفكاري و ...؟

أليست تلك المتغيرات قيم موروثة ؟ أو على الأقل ، لم نحصل عليها بأنفسنا / بأيدينا ؟ .
لمَ إذن نستخدم تلك المعلومات كطريقة للتعريف ( بنا ) ؟ بدلا من أن تُستَخدَم أفكارنا / شهاداتنا / أسئلتنا / إنجازاتنا / إخفاقاتنا / ... ؟
و .. أبعد ، و ربما أهم : لمَ تتغير طريقة تقبّلنا لأفعال الشخص و أفكاره بناء على تلك القيم الموروثة ؟

ربما يقول قائل ، الجنسية تحدد مكان المنشأ و بالتالي البيئة المحيطة بالشخص و التي تشكل خلفيته المعرفية التي يبني عليها سير حياتك . فأقول : و كيف تحدد جنسية الشخص أو جنسية والديه منشأه ؟ .. و أسئلة أخرى سبق أن تطرقت لها هنا . أو قد يقول آخر أن الاسم "الحقيقي" يكشف عن صدقك و تحملك لمسؤولية كلامك ، فأقول : و كيف يضمن الاسمُ المسؤولية ؟ . هل كل من كنا نعرف اسمه الرباعي ضمنا إحسان فعله و صدق قوله ؟

هويتي كفرد في المجتمع أؤمن أنها تتحدد بـ و تمثلها أفكاري / انتماءاتي / أفعالي / أقوالي / إنجازاتي / إخفاقاتي / ... . و أعتقد أن تقييم الأشخاص لجهدي لا يكون صافيا / عادلا إلا إن أخفيت تلك أخفيت المتغيرات الموروثة ، لأنها عوامل خارجية لا أملك تغييرها و لا يتشكل بناء عليها جهدي . و لذا أعتبر اسمي و عمري و ما تبقى من هذه المتغيرات من الخصوصيات التي لا أفضل كشفها للتعريف بنفسي .

-

و لعلها جديرة بالذكر ، في هذا السياق ، الدراسات التي قام بها Hofstede في أواخر الثمانينات و أوائل التسعينات كمحاولة لتعريف المجتمعات المختلفة و تحديد معالهما . بالرغم من أن نتائج دراساته و أبحاثه قد تعرضت للسؤال من قِبَل بعض الباحثين حديثا ، إلا أنها مثيرة للفضول . من خلال نظريته التي اعتمد فيها على نتائج استبيانات وزعها لأفراد شركة ذات فروع في 40 دولة ، قام هوفستد بتحديد أربع عوامل تتحدد عليها هيكلة المجتمعات المختلفة ، و بناء عليه أفرادها الذين يتشاركون لدرجة ما ثقافة عامة يشكلها مجتمعهم ، بالإضافة لثقافة فردية خاصة بكل فرد تتشكل بناء على تجاربه الشخصية .

من هذه العوامل ، ما أسماه هوفستد عامل الـ individualism-collectivism ، هذا العامل يحدد بشكل رئيس موقع الفرد من الإعراب في مجتمعه . و به تتضح إحدى الفروقات الجوهرية بين المجتمعات الجماعية أو القبائلية ، و المجتمعات الفردية . قبل أن أوضح الفروقات ، من المهم أن نتفق أن عاملي "التجمع" مقابل " الفردية" لا يعرفان في المجتمعات كقيم تخضع لـ ( إما أو ) . إنما هما طرفا نطاق تقع عليه تدرجات متفاوتة ، كما المخطط التالي . و قد يكون مجتمع س في وسط النطاق ، يقع مجتمع ص على آخره حيث الفردية مثلا .

في المجتمعات الجماعية ، الوحدة الأساسية هي الجماعة ، مما يجعل الفرد قائم بقيام الجماعة . نجاح الفرد يعتمد بشكل أساسي على نجاح جماعته ، و في حال تعارضت أهدافه مع أهداف جماعته ، فأهداف جماعته مقدمة و أكثر أولوية . يساند ذلك فكرة أن الفرد يخدم هدف بقاء الجماعة و المساهمة في نجاحها . و لذا ، تحدد قيمة الفرد بناء على مقياس عطائه لجماعته و نفعه لصالح الجماعة . مما يجعل ارتباط الفرد بجماعته كبيرا ، و اعتماده عليها أساسي . من الأمثلة على مثل هذه المجتمعات هي المجتمع الصيني .

بينما في المجتمعات الفردية ، تكون الوحدة الأساسية هي الفرد ، و هو قائم بذاته . نجاحه يتحدد بشخصه و جهوده ، و أهدافه خاصة به لا يهم تعارضها مع أهداف الجماعة ، و لذا من السهل للفرد في مثل هذه المجتمعات أن يختار جماعة أخرى ليكون فردا منها . يساعد في ذلك أن ارتباط الفرد بالجماعة قليل ، و اعتماده على نفسه أكبر من اعتماده على جماعته . و من أول ممثلي مثل هذه المجتمعات هو المجتمع الأمريكي .

كما هو متوقع و مشاهد ، المجتمعات العربية تقع في نطاق أقرب لطرف المجتمعات الجماعية ، و كلما ازدادت درجة تمسك المجتمع بالعادات و التقاليد العربية التي تولي أهمية كبرى للـ ( قبيلة ) ، كلما ازدادت درجة القرب . في آخر الدراسات التي عملت على قياس المجتمعات بشكل عام ، كانتا الإمارات و السعودية أكثر المجتمعات العربية اتصافا بالمجتمعات الجماعية . للمزيد اطلع على الجدول الموضح هنا ، مع الوضع في عين الاعتبار أنه يتدرج من الأكثر فردية في الأعلى للكثر جماعية في الأسفل .

لست بطبيع الحال أقول أن أيا من هذه المجتمعات هو " الأفضل " أو هو " الإجابة الصحيحة " ؛ لا أفضلية في مثل هذه الأمور . لكن ، تبقى من الأمور التي أظنها تستحق تفكرا و تأملا في المجتمعات المختلفة . و لو أننا نظرنا إليها من جانب التفكر بآلاء الله ، لوجدنا عظمة الله عز و جل و كيف أنه تعالى أرسل الرسول عليه الصلاة و السلام ليكون بشيرا و نذيرا لكل هذه المجتمعات بمختلف توجهاتها ، و مع ذلك ، لا تعارض في تعاليم ديننا مع أي من منها .

فاعلة خير .