.

قصة تعلّقٍ أزليّ و شوقٍ دفين !

Thursday - 25 Feb, 2010
12:34 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : غذاء العقول

كثيرا ما أقرأ قصص تعلق الأشخاص بالقراءة ، و أجد أن معظمها تبدأ من مكتبة منزلية عامرة تعج بأمهات الكتب و أبنائها و بناتها و ربما جداتها . فأتساءل ، كيف كان ليكون حالي لو أن منزلنا كان فعلا يحوي كتلك المكتبات ؟

نشأتُ في منزل قائم على مبدأ : " الشهادة -الدراسية- و العلم رأس مال الحياة " مع أم طبيبة و أب دكتور ، و رغم أنّ لا شيء سوى الصلاة كان يأتي فوق الدراسة ؛ إلا أنه لم يكن في منزلنا مكتبة تحوي شتى صنوف الكتب ، لكثر تنقلنا . لكن ذلك لم ينتج عنه إلا نهما أكبر على القراءة و الكتب .. و المكتبة* !.

**********

قد تفضل/ت الكريم/ة "نادر وجودي" بطرح تعليق يسأل عن كيفية تنمية حب القراءة في الأطفال منذ الصغر ، فأحببت مشاركة تجربتي الشخصية بعيدا عن غثاء النظريات العلمية و الدراسات الحديثة و القديمة التي أخشى أن تلاقي من القارئ صدودا . و رأيت أن أيسر الطرق هي أن في سرد إحدى جوانب تجربتي كطفلة نشأت على حب الكتب و متعة القراءة ، ثم أتبعها بخلاصة تجربتي كابنة لأم عملت ما بوسعها لتنمي ذلك في أطفالها .

قبل أن أفعل ذلك ، بقي أن ألفت انتباهك إلى أنه رغم أني أبني الخلاصة في هذه المقالة على تجربتي فقط ، إلا أن كل خلاصة تتكئ على نظرية من نظريات التدريس و التربية التي لا أود الخوض فيها . إنما اخترت عرض الأساس بشكل قد يستطيع القارئ أن يتواصل معه . و إن كنت لا تود الخوض في تفاصيل تجربتي ، فاكتفِ فضلا بقراءة ما يكتب " بصياغة أخرى " .

1. كنت أجد صعوبة في النوم ، من دون وجود أمي . من بعد أن أعطتني "وصفة سحرية" (آيات و أذكار النوم) أرددها ، حرصت أمي أن تكون تحت مخدتي قصة ألجأ لقرائتها حتى يداهمني النوم . من بعد النجاح الباهر لتجربة قراءة القصة الأولى قبل النوم ، لزمتني تلك العادة من صغري حتى عهد قريب .
بصياغة أخرى : نفتقر كثيرا في عالمنا العربي ، كما أعلم ، إلى الاهتمام بموعد نوم الطفل . و هو وقت ذهبي تستطيع الأم أن تنمي فيه الكثير من العادات لدى الطفل ، منها القراءة . الكثير من الأمهات و الآباء في الدول الغربية يجعلون من قراءة قصة ما قبل النوم عادة ينشأ عليها الأطفال ، فتنمي بهم عادة القراءة كمهمة يومية . و رغم أن الأم باستطاعتها أن تحكي للطفل قصة من حفظها ، إلا أن مجرد مسكها للكتاب و قراءة شيء منه للطفل يعطي للكتاب و القراءة أهمية مطلوبة .

2. مما كانت أمي تحكيه من القصص عن طفولتي ، في إحدى أعياد الميلاد** التي كانت تقيمها لي ، الثالثة أو الرابعة ، أهدي لي مجموعة ألعاب و دمى و كتاب . تكمل أمي أني حين قُدِمت لي الهدايا مع بعضها كي أفتحها ، لم يلفت انتباهي سوى الكتاب . أمسكته و بدأت " أقرأه " ، من بعد أن كانت أمي تحرص على أن يكون بين يدي ،بشكل يومي ، كتاب أتصفحه .
بصياغة أخرى : لاحظت أيضا من العائلات التي لي إطلاع على سيرها ، عربيا ، أن الأطفال لا يخصص لهم وقتا للقراءة خلال اليوم ؛ أو على الأقل ، لا يتم شراء كتب تناسب أعمارهم لتكون في متناول أيديهم . صحيح أن الكثير من الأطفال في بادئ الأمر لا يعرفون القراءة ، لكن محاولتهم للنظر إلى الصور فيها ، أو تصفحها بينما يقرأ أحد لهم سيجعلهم يطورون ألفة مع الكتب بشكل كبير ، يسهل تنميتها بشكل أكبر حين يتمكنون من القراءة .

3. مما أعرفه ، أحلام الأمهات التي لم تستطع الأمهات تحقيقها ، تتحول كثيرا لتصبح حلمًا تسعى لتحقيقه الابنة ، كطريقة منها للتأسي بأمها ربما أو تحقيق نجاح تتمنى أن تراه أمها . كان إحدى أحلام أمي التي كثيرا ما كانت ترددها : " أتمنى لو أني أُعطَى مصحفا و سجادة و قوت يومي ، ثم أترَك لأسكن ما تبقى من عمري في المكتبة . " حلمها هذا ، علقني كثيرا بالمكتبة ، و جعل من البقاء فيها متعةً لا تقل عن متعة تحقيق حلم طال مناله ، في كل مرة .
بصياغة أخرى : من الطريف أنه على الرغم من وجود المكتبات العامة في دولنا العربية ، رغم قلتها ، إلا أن الكثير الكثير منا لا يعتب أبوابها ، حارما أطفاله الشعور بنكهة التجوال في مكان مخصص للكتب ، و تقضية الوقت فيه . و بالمقابل يصب الأهالي تركيز الأطفال و توجهاتهم نحو الأسواق و مراكز الألعاب و غيرها من الملاهي في أوقات النزهات . لا أعارض فكرة الترويح عن الأطفال في تلك الأماكن ، لكني أظنه من المهم أيضا تثبيت / تأصيل فكرة ارتياد المكتبات لدى الأطفال من صغرهم كما نؤصل فكرة ارتياد الأسواق و الملاهي .

4. كغيره من الكثير من الرجال ، لا يحب أبي الأسواق و تضييع الوقت فيها . لكن ، حين كانت أمي تطلب منه أن يصطحبنا جميعا كعائلة لإحدى الأسواق ، كان أبي بشكل دائم يصطحب معه كتابا جديدا ليقرأه في مقهى بينما نحن نقضي أوقاتنا تسوقا / لعبا .
بصياغة أخرى : في علم التربية ، يقال كثيرا -بما معناه- : " لتكن تصرفاتك تعكس / تمثل توجيهاتك " . و بالطبع لا يخفى عليكم أثر الوالدين و تصرفاتهم على الأطفال . من الجميل / المفيد أن يرى الأطفال آباءهم و أمهاتهم يمسكون الكتب و يقرأونها بشكل دوري . هذا من شأنه أن يقدم الكتاب و قراءته كعادة يحتاج الطفل لتنميتها كي يكون من عداد " الكبار " ، و أنه التوجه الصحيح الذي يتطلعون إليه .

5. كما أشرت في المقدمة ، لأننا كنا نتنقل كثيرا ، لم تكن لنا مكتبة في المنزل ، و لم تكن لفكرة شراء الكتب صدى واسعا في البيت . لكن ذلك لم يكن إلا محفزا أكبر على القراءة ؛ إذ كانت أمي تشجعنا على الاستعارة الأسبوعية من المكتبة لنقرأ ما نشاء من الكتب ، عددا / نوعا / حجما .
بصياغة أخرى : ألاحظ ، أيضا ، أن نظام الاستعارة من المكتبات لا يلاقي رواجا فيما بين القراء العرب ، إذ يجنح الكثير إلى شراء ما يريد أن يقرأه بدلا من أن يكتفي باستعارته من المكتبة و الاكتفاء بتدوين خلاصات قراءته و شراء ما لا يستطيع التفريط به لنفسه . و هذا أظن له دور بصورة أو بأخرى في تشكيل مفهوم القراءة و كونه عبء مادي / ثقافي يحتاج الطفل أن يحسن الاختيار قبل اتخاذ قرار الشراء . بينما إن كان الأمر لا يتجاوز مسألة استعارة تنتهي علاقة الطفل بالكتاب بمجرد انتهاء مدتها و لا يتحمل عليها أي تبعات إن كان لا يعجبه الكتاب ، فهذا يجعل من القراءة مهمة أسهل / أخف على نفس الطفل . و يربي في نفسه أيضا مسؤولية الاهتمام بكتب غيره و احترامها .

6. رغم ضعف تجربتي في هذا ، إلا أني بطبيع الحال ، لا يسعني تجاهل الجانب التدريسي في ذلك . و أعني بهذا الجانب : طريقة تدريس القراءة العربية في المدارس تعاني من مشاكل كثيرة لا يمكن تلافيها إلا باهتمام الأم نفسها بطريقة تعلم ابنها للقراءة . طرق التدريس العربية ، كما أعهدها ، تبدأ مع الطفل بمرحلة تعلم الحروف و تهجئتها ، ثم تعلمه الكلمات ؛ و من بعدها تدع له مهمة القراءة دون تعليمه مهاراتها أو طرقها . القراءة عملية مركبة لا تعتمد فقط على القدرة على فك الحرف !. و هنا يكون دور الأم / الأب في متابعة سير الأطفال في تعلم تلك المهارة بالتدريج بما يتناسب مع نمو الطفل العقلي و بما يجعل من مهمة القراءة أمرا سهلا / محكما .

خوفا من أن أسترسل أكثر ، و أصيبك بالملل ، أتوقف هنا عن ثرثرتي . و لأني لا يسعني أن أصف أهمية القراءة ليس في بناء العقول فحسب ، بل في بناء المجتمعات و الحضارات ، أختم بقول Ray Bradbury : " أنت لست بحاجة لإحراق الكتب كي تدمر ثقافة / مجتمعا ، فقط اكتفِ بجعلهم يتوقفون عن قراءتها . " و لا أحوج منا ، في عصر كعصرنا ، إلى أن نرعى القراءة في محيطنا .

فاعلة خير .

___________
هامش :
* المكتبة في هذا السياق تعني Library ، أي المكان الذي يحوي الكثير الكثير من الكتب و يقوم على نظام الإعارة .
** راجع فضلا
*** مصدر الصورة .

.