.

القدس و المظاهرات : لمَ لا ؟

Thursday - 18 Mar, 2010
17:51 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : مسلمة ، و أفتخر

إنه من المحزن أن نربي أطفالنا و ننشئ شبابنا على قيم ما ، دون أن نشرح لهم أهمية هذه القيم أو سبب الحاجة إليها ، لأنهم -في عصر يتصف بالعولمة- سرعان ما سيتركون ما لا يروق لهم أو ما لا يرون أهميته ، معتنقين ما قد يبدو لهم أكثر أهمية و أرسخ . نأمرهم بـ "افعل كذا" و "لا تفعل ذاك" .. "اهتم بكذا " و " لا تكترث لذاك" ، دون أن نشرح لهم -غالبا- منطق تلك الأوامر ، و دون أن نجعلهم يمتلكون أحقية الانتماء لتلك القيم كما ننتمي . من هذه القيم : قضية فلسطين .

******

منذ ما يزيد عن العام ، حصلت لي فرصة زيارة مدرسة "إسلامية" تعتمد المنهج البريطاني ، لغرض دراسة ميدانية . في آخر اليوم ، بينما كان الطلاب و الطالبات في الصف الثالث الابتدائي يصطفون للعودة إلى البيت ، كانت هناك طفلة محجبة تراقبني و أدواتي بفضول . اقتربت منها لأحادثها ، و ربما أسألها ما يفيدني في دراستي . بدأت حديثي معها :
أنا : "شو اسمك يا حلوة ؟ "

هي : " ياسمين "
أنا : " اسمك حلو . من وين يا ياسمين ؟ "
هي : " من فلسطين "
أنا : " ما شاء الله ! ، من وين من فلسطين ؟ "
هي .. وجه باهت ، لسان معقود ، و أنظار تتجه نحو الباب .
أنا : "من وين من فلسطين ؟ "
هي : " من الأردن "

لا أخفيك ، لولا أني كنت أرتدي النقاب ، أظن أنها كانت لتمتلئ خجلا و ربما بكاء من ملامح ارتسمت على وجهي ؛ إذ لم يتسنى لها أن تسمع نبرات صدمتي من صوتي قبل أن أنقذتها المدرّسة تطلب منها أن تتجه نحو الحافلة المدرسية .

أكاد أيقن أنها كغيرها من الأطفال الكثير "تعلم" أن هناك "أمر" ما في فلسطين يحتاج أن نقوم بالصراخ و الدبك من أجله و أن نرتدي أعلام ملونة و "حطات" فلسطينية من أجله ؛ دون معرفة لكنه القضية فعلا أو سبب كل هذه الزوبعة المقامة من أجله . و لا أنكر أني كنت أتوقع جهل الأطفال في التاسعة / العاشرة من أعمارهم بقضية فلسطين ، على عكس علمهم الواسع بالشخصيات الكرتونية و تاريخها ؛ لكني كنت أتوقع أن يعرف الطفل الفلسطيني على الأقل من أي مدينة / بلدة فلسطينية ينتمي لها .

******

لعلك الآن أعدت النظر إلى العنوان تتساءل عن علاقة المظاهرات بكل ما سبق ، و ربما تستنكر و تفكر : "لأجل هذا ، نحن بحاجة للمظاهرات بشكل أكبر " .. لا ألومك ، لأننا نشأنا في عصر أصبحت فيه المظاهرات أسمى سبل النصرة ، كلما بُحَ صوتنا أكثر كلما أثبتنا تضامننا مع القضية ، كلما زاد الدخان المتصاعد من الأعلام المحترقة كلما أكدّنا ولاءنا للقضية ، كلما علا صوت فيروز "الغضب الساطع آت" كلما أظهرنا إصرارنا على النصر .. و ربما نستبدل صوت فيروز بـ "نشيد" إسلامي حماسي يعلو فيه صوت الدف و الطبل .. و في بعض الحالات "الحماسية" جدا ، يصبح حجم الخراب و التكسير و التدمير متناسب طرديا مع حجم الجسارة و القوة و التقدم في سبيل نصرة القضية .

ما رأيك أن ( تسايرني ) و تستحمل هرطقاتي لبضع دقائق ؟ .. تخيل معي الاحتمالات التالية كبديل للمظاهرات ، و دعنا نحكم بعد طرحها على فعاليتها و صدقها في السعي لنصرة القضايا مقارنة بالمظاهرات .
1. ماذا إن* أقمنا في كل مدرسة محاضرة تعريفية بالقضية و تاريخها و حق المسلمين في الأرض و مكانة القضية في شرعنا ؟
2. ماذا إن نظمنا ورشات عمل جماعية ، نعمل فيها كل في فنه ، لننتج أشياء ملموسة تحكي عن القضية ؟
3. ماذا إن نظمنا سوق بيع خيري ، يقيم فيه كل منا طاولة يبيع عليها ما اشتهى (طعام / كتب / ملابس / ...) و يقدم ريع المبيعات كلها لأهل فلسطين ؟
4. ماذا إن قمنا بمسيرة نلف فيها على البيوت نقدم مطويات / كتب / سيديهات تشرح القضية ؟ أو مسيرة نجمع فيها من كل بيت ما يستطيع تقديمه ليُرسَل إليهم ؟
5. ماذا إن عملنا معا و رتبنا معارض تحكي عن معاناتهم / مجاعاتهم / ... أو تشرح حالهم في قصائد مقروءة أو ... ؟
6. ماذا إن اجتمعنا لنصلي جماعة و نبتهل إلى الله في سجداتنا و بعد سلامنا نسأله أن يكشف الضر عن إخوتنا ؟

أفكار لا تنتهي ، تختلف في طرقها و أساليبها لكنها تتفق على أساس واحد : إنتاج شيء ملموس يقدم نفعا فعليا للقضية ، إما من خلال نشر معلومة و تثبيت حق أو من خلال دعوة تكشف الضر أو من خلال شيء ملموس يساعد إخوتنا المستضعفين فعليا .

منطقا ، أي الطرق أكثر نفعا لإخواننا في فلسطين ؟ و أيها أكثر أثرا في تقديم العون لهم ؟ .. لقد أصبحت المظاهرات ، القارئ الكريم ، و كل ما تشمله من شكليات (شموع / دبك / خطابات / ... ) لا تتجاوز محاولات حرق الأعلام أو الصراخ بصوت عالٍ ، لا يصل لفلسطين و لا يخيف المحتل / المختل . و بت أؤمن أن أثرها تجاوز ذلك و تحول لأثر سلبي إذ يحسب المشارك بالمظاهرة أنه أدى واجبه اتجاه القضية ، و يستطيع النوم هانئا من بعدها لأنه قام (بأقصى) ما يمكن فعله .. لأن المجتمع قدّس تلك الشكليات بشكل أكبر مما تحتمل .

و لعلك إن تفكرت معي بشرعنا الشرع الرباني المبهر ، لوجدت أنه أكد للضعفاء من المسلمين أنهم يساهمون في (النصر) من خلال دعائهم كما يساهم القادرون من خلال جهادهم في أرض المعركة ، و لأيقنت أن الضعف أو العجز ليس مبررا كافيا لنكتفي بالصراخ و التخريب كالطريقة الوحيدة للمساهمة في الدعم . نحن قادرون ،بما يتوافق مع المسموح به تحت ظل الحكومات ، أن نقدم شيئا أكثر من ذلك .. و إن كان بشكل شخصي أو على نطاق صغير .

لذا ، هي دعوة أوجهها إليك ، أن توفر وقتا كنت تخصصه للمظاهرات و تحاول فيه أن تقدم شيئا فعليا / ملموسا ، إما من خلال نشر معلومة عن القضية ، مشاركة خبر ، تمرير دعوة ، أو أيا كان مما يثبت فعليا رغبتك في نصرة إخوتك و دعمهم بكل الطرق الممكنة . و صدقني ، ستشعر بذات النشوة التي كانت تنتابك حين تصرخ بأعلى صوتك مرددا شعارا محكيا في مظاهرة ما .

فاعلة خير .