.

فكرة شاردة [ 2 ] : هوس "الكمال" .

Wednesday - 10 Mar, 2010
18:29 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : خارج السياق

الكمال ، كما كل المسلمون يوقنون ، من صفات الله جل و علا التي لا تليق إلا به تعالى . هي درجة من الإتقان لا يستطيع أحد من البشر أن يصلها في كل أموره ، مهما علا في مناصبه و مهما زاد من رصيد علمه و ماله .

مع ذلك ، تبقى لدى فئة من البشر رغبة دائمة في الوصول لأقرب ما يكون لدرجة (الكمال البشري) ، لدرجة التفوق / التميز . هي أشبه ما يكون بتحدٍ دائم مع النفس ، أو ربما دفعها الدائم لتقدم أفضل مما تستطيعه / أبعد مما تتوقعه . قد يكون ذلك محمودا / مطلوبا لتقديم الأفضل ، لكنه سرعان ما يتحول لدى البعض لهوس يصعب التحكم به .. هوسا يعيق التقدم بدلا من أن يعين عليه .

********

المصاب بهذا النوع من الهوس يتصف بصفات عدة ـ منها :

1. عدم الرضا بالنتاج ، مهما بذل من المجهود أو لاقى من الأعذار . هدفه الأفضل ، و لا شيء سوى الأفضل يرضيه .

2. تعريفه لمفهوم "الأفضل" كثيرا ما يكون شيئا أقرب للمثالية منه إلى الواقع ، في نظر الكثير .

3. كثيرا ما يكون تقييم عامة الناس في نظره غير مهم ، لأن الكثير من الناس ، على عكسه ، يقبلون بالـ"موجود" .

4. بسبب هذا الهوس ، تجده غالبا ما يتأخر في إنهاء ما عليه أو ربما يستسلم ؛ إيقانا منه بأنه لا يزال يستطيع تقديم شيء أفضل مما توصل إليه .

5. في أي عمل جماعي ، قد يتحمل أكثر من طاقته و يقوم بأكثر مما طلب منه / يطيقه فقط كي يتمّ ما قصّر به غيره ، أو ليحسّن شيئا من عمل غيره لأنه يظن أنه قابل للتحسين .

6. متعة الإنجاز لديه لا تتم إلا إن كان يعلم في قرارة نفسه أن ما أنتجه لم يكن ليكون أفضل مما هو عليه .

أن تكون من هذه الفئة يعني أن تضحي براحة بالك سعيا للأفضل ، يعني أن تفتقد متعة اللااكتراث بالإنتاج بقدر ما تكترث للعملية ، يعني أن تكون كبش الفدا في كل مشروع / مجهود جماعي ، يعني ألا تستطيع تقبّل عمل غيرك / عملك بسهولة ، يعني أن تكون دائما ساخطا على نفسك لأنك في آخر مهمة لك كنت "تستطيع أن تفعل أفضل مما فعلت" .. و لو بمقدار شعرة .
.. لا أصعب من أن تكون صاحب ( نفس ) لا ترضى ( عنك ) بسهولة !

و أسوء ما في هذا الهوس ، أنك حين تصل لنقطة اليأس / الاستسلام ، قد يصل بك عدم الاكتراث لدرجة أن تقوم بتأدية ما يكفي لـ"رفع العتب" عنك ، دون الاكتراث لجودة ما تقوم به أو حتى رضا المقابل به ، لأنك أصبحت تيقن أن عجزك عن تقديم الأفضل قد تمكن منك ، و أن قدرتك على تأدية العمل كما ينبغي في عرفك أمر أشبه بالمستحيل . و قد تصبح ، يوما ، تتقلب بين اليأس و مثالية "لا زال هناك المزيد لأقوم به" ، حتى يصل بك الحال لمرحلة اللاإنتاجية ، إما لأنك لم تعد تكترث بما تقدمه أو لأنك تؤمن أنه لا زال هناك شيء ناقص يحتاج تحسينا .

********

لا أستطيع أن أقدم لك حلا محايدا أو وصفة سحرية تكشف ذلك الهوس ، لكني أستطيع أن أشير عليك بنقاط عملية قد تساعدك ، كما تساعدني أحيانا بحكم إصابتي ، على تقويم ذلك الهوس ليتناسب معك بشكل أفضل :

1. حاول أن تلزم نفسك بموعد إنهاء محدد بطريقة لا تستطيع التفلت منها ، كأن تعد مديرك بتاريخ معين أو تحجز تذكرة السفر في وقت محدد . و أخبر نفسك أنك ستقوم بتسليم / رفع يديك عن العمل في ذلك الموعد أيا كان الناتج ، و أيا كانت التحسينات التي لا زلت تأمل أن تقوم بها . ستجد نفسك تعمل بإنتاجية مضاعفة ، و قد تصل للأفضل من دون أن تشعر .

2. قبل أن تبدأ بالعمل ، وفر بعضا من الوقت قبل أن تبدأ لتحديد تفصيل للناتج الذي تتطلع إليه . و أعطِ نفسك كل الوقت الذي تريده ، دون الإفراط ، على ألا تضيف شيئا بعد ذلك الوقت لما حددته ، مهما حصل . و حاول أن تصب تركيزك بشكل كامل في وقت التخطيط ، كي لا تصاب بفوضى نفسية حين يظهر لك لاحقا ما تود تحسينه و لكن لا تستطيع العمل عليه.

3. أشغل نفسك بالاستغفار أثناء العمل و احرص على إحكام الإخلاص قبل البدء بعملك. رغم أنها نصيحة عامة ، إلا أني وجدت للاستغفار و محاولة إحكام النية و إخلاصها لله مفعولا سحريا من تجارب عملية . و سترى أنك ستنتهي بشيء أفضل مما كنت تظنه الأفضل ، صدقني . و تذكر أنك كلما عددت النوايا الخالصة لله ، كلما ازداد أجرك و عظمت البركة .
--في حالة أنك لم تستطع أن تجد شيئا ، هذه بعض النوايا التي تكاد تنطبق على كل شيء (عملي / علمي / ديني / دنيوي) :
- نصرة لدين الله و إعلاء لكلمة الله . (لأنك بإنتاجك الحسن تمثّل المسلمين ، في نظر الآخرين على الأقل . )
- دعوة للإسلام بالعمل .
- تقربا لله و سعيا لنيل محبته .
- بر والدين . (مهما كان صنيعك ، طالما كان حسنا و ناجحا ، فإن ذلك حتما سيكون إسعادا لهما)

4. في الأعمال الجماعية ، كن واضحا في بداية العمل من المهام المطلوبة منك شخصيا و حدد معالمها و حدودها . لا تشتت نفسك في أكثر من جهة ، لأن ذلك لن يزيدك إلا شقاء و إنهاكا . و في حال تطلب منك الأمر أن تعمل يدا بيد مع شخص آخر ، حدد في بداية عملك معه دورك في العملية و دوره ، كي لا تتشابك الخيوط و لا تقع عليك المسؤولية كاملة . و من بعدها ، كن مهووسا كما تشاء بالجزء المطلوب منك ، و حاول الإعانة فيما عدا ذلك . لكن تذكر : أنت مسؤول عن "كمال" مهامك أنت فقط .

5. حين تجد نفسك قد وقعت في شباك "لا زال هناك شيء ناقص" أو " لا زالت هناك فرصة ليصبح أفضل " ، لا تدع الأمور عائمة ، و حاول أن تجتمع بنفسك في اجتماع مغلق و خاص ، تناقش فيه نفسك بالنقاط التي تحتمل التحسين ، و طرق تحسينها . إن وجدت أنها غير قابلة للتطبيق في الوقت الزمني الذي تملكه ، اتفق مع نفسك -وقّع على عقد إن شئت- أنك ستعلن الانتهاء مما وصلت إليه الآن كإصدار أول و أنك ستتبعه بإصدار ثانٍ محسّن و أفضل تطبق فيه ما رأيت أنه يحتمل التحسين . و بهذا تكون قد سلمتَ من التأخير و أرضيت نفسك بوعد التحسين ، أو عدم التوقف عن السعي للأفضل .

بطبيع الحال ، كل هذه الطرق ليست قابلة للتطبيق في كل الأمور أو حتى مع كل الأشخاص ، إنما تنتقي منها ما يتناسب مع وضعك . و بالتأكيد لست بحاجة أن تحدّ نفسك بها ، هي ليست الطرق الوحيدة ، باستطاعتك أت تأتي بطرق أخرى تناسب شخصيتك و طبيعة عملك بشكل أفضل و أنسب . و تبقّى ، طبعا ، أن تحاول الوصول لقناعة أنك "أحيانا" تحتاج أن ترضى بما هو دون الأفضل ، بقليل .

فاعلة خير .