.

قطرة دم

Wednesday - 14 Apr, 2010
21:45 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : فوضى مبعثرة

كنت أشاهد اليوم برنامجا عن اللوكيميا (سرطان الدم) و العملية الطويلة التي يمر بها المرضى، و الحاجة لنخاع عظم ملائم يناسب تركيبة أجسادهم من أجل الشفاء. مشكلة إيجاد نخاع ملائم أن الملائمة لا ترتبط بمن تربطك بهم علاقة الدم. هذا يعني أن كل أفراد عائلة المريض قد لا يستطيعون تقديم شيء ذي فائدة للمريض. مما يعني بحث المريض عن متبرع آخر ملائم في بنك خاص لذلك.

دفعني ذلك للتفكر بمسألة التبرع بالدم. مع نسبة الحوادث التي تعلو بشكل كبير جدا في الشرق الأوسط، و خاصة في السعودية التي تحتل المركز الأول عالميا في نسبة الوفيات جراء حوادث السيارات*، تزداد الحاجة الملحّة لنقل الدم لإسعاف المرضى. طبعا، ناهيك عن الأمراض الأخرى التي يكثر فيها الحاجة للنقل.

مراكز التبرع بالدم (بنوك) كثيرة في بلادنا، و مع عموم جواز التبرع بالدم**، أتساءل عن سبب عزوف الكثير عن تبرعهم بالدم. قطرة دم قد تنقذ حياة شخص! حياة إنسان يصوم و يصلي و ... أجر كبير ناهيك عن السعادة/الإعانة التي تسديها لمسلم، أو شخص قد يقبل على الإسلام بسبب إنقاذ حياته. هذا بالإضافة للفوائد التي تحصل عليها -المتبرع- صحيا.

و قبل أن أوجه لك دعوة أرجو فيها كرمك و توجهك لأقرب بنك دم للتبرع بدمك، يهمني أن تكون واعيا بـ/ عارفا لأهمية التبرع بالدم و الحاجة إليه. فما رأيك أن نحاول ما أن نفهم نستعرض معا مفهوم التبرع بالدم و كيفية عمله، بعد أن نفهم ماهية الدم و فصائله؟ ***

* الدم و فصائله:

الدم بشكل عام يتكون من 4 مواد: خلايا الدم الحمراء، خلايا الدم البيضاء، الصفائح، البلازما. خلايا الدم الحمراء هي التي تشكل النسبة الأكبر من الدم و هي المسؤولة عن حمل الأكسجين من الرئتين إلى كل خلايا الجسم و إزالة ثاني أكسيد الكربون من الخلايا. يتم إنتاجها في نخاع العظم بمعدل 2-3 مليون خلية دم حمراء بالثانية! الحياة المقدرة لخلايا الدم الحمراء قبل أن تفقد حيويتها هي 4 شهور.

خلايا الدم البيضاء تتواجد بنسبة ضيئلة في الجسم الصحي، بمعدل 1 %. وظيفتها الأساسية هي حماية الجسم. و لذا تزيد نسبتها حين يرى الجسم أنه في خطر (التهاب مثلا) و بالتالي من خلال الزيادة في نسبته، يمكن تقدير وجود التهاب في الجسم. الحياة المقدرة لخلايا الدم البيضاء بشكل عام هي من 18-36 ساعة. من جهة أخرى، الصفائح هي الخلايا المسؤولة عن تجلط الدم و إيقاف النزيف؛ الحياة المقدرة للصفائح تتراوح من 9-10 أيام. بينما البلازما هي السائل الذي يحوي تلك العناصر و هو مكون من الماء (بنسبة تقارب 95%) و السكر و الملح.

رغم أن الدم بشكل عام موحد في في الكائنات البشرية، إلا أن هناك مواد خاصة تتواجد بشكل مختلف في الأجساد مساهمة في تكوين أنواع مختلفة للدم، أو ما نسميه "فصائل". كل فصيلة دم تتميز بما يخصها من الخلايا الحمراء و التي بناء عليها تتحدد قابلية استقبال الدم من الفصائل الأخرى. هناك عاملان أساسيان يحددان أربع فصائل للدم تعد الأنواع الرئيسة للدم، و هي:

1. فصيلة دم A و هي فصيلة تتميز خلايا الدم الحمراء فيها بوجود مادة A و خلايا مضادة لمادة B.
2. فصيلة دم B تتميز خلايا الدم الحمراء فيها بوجود مادة B و خلايا مضادة لمادة A.
3. فصيلة دم AB تتميز خلايا الدم الحمراء فيها بوجود مادة A و B. و لا تحوي أي خلايا مضادة.
4. فصيلة دم O تتميز خلايا الدم الحمراء فيها بعدم وجود مادة A أو B. و تحوي خلايا مضادة لمادتي A و B.

و يندرج تحت ذلك التصنيف العام للفصائل، تصنيف آخر يقسم فيه كل فصيلة لنوعين: نوع سالب و نوع موجب. النوع الموجب من أي فصيلة دم يحوي عامل يدعى RH، بينما النوع السالب من أي فصيلة دم يفتقر لتلك المادة. و بهذه الطريقة تنقسم فصائل الدم لثمانية أنواع: فصيلة A+، فصيلة A-، فصيلة B+، فصيلة B-، فصيلة AB+، فصيلة AB-، فصيلة O+، فصيلة O-.

إذن، بناء على وجود أو عدم وجود مادة A، أو مادة B، أو مادة RH، تتحدد طبيعة تفاعل الدم مع الفصائل المختلفة. هذا يعني أن فصيلة الدم التي لا تحوي أي من تلك المواد، فهي تتفاعل بشكل سلبي مع فصيلة الدم التي تحوي تلك المادة. بهذه الطريقة يتحدد قبول فصائل الدم المختلفة لبعضها البعض بالشكل التالي:

فصيلة دم A من الممكن أن تُعطى لفصيلة دم A و فصيلة دم AB.
فصيلة دم B من الممكن أن تُعطى لفصيلة دم B و فصيلة دم AB.
فصيلة دم AB من الممكن أن تُعطى فقط لفصيلة دم AB.
فصيلة دم O من الممكن أن تعطى لفصيلة دم A و فصيلة دم B و فصيلة دم AB و فصيلة دم O.

إذن هذه التوزيعات محددة بناء على عدم احتواء الدم المستقبل لخلايا مضادة لنوع الدم المُعطى. بالتالي، من هذا التقسيم أيضا نفهم أن فصيلة دم O فقط تستقبل من نفس الفصيلة. بينما تستقبل فصيلة دم AB من كل فصائل الدم. أما بالنسبة لعامل الـRH الذي يحدد كون الدم موجب أم سالب؛ بشكل عام، بعد المرور بالآلية التي تتحدد بناء على نوع الفصيلة، الدم الموجب يُعطى للموجب فقط. الدم السالب يعطى للموجب و السالب.

بعد دمج كلا التصنيفين معا، يمكن تمثيل فصائل الدم و قبولها لبعضها بناء على المخطط التالي****:

blood types
Donor في الأعلى يعني المعطي، أي فصيلة دمه. بينما recipient على اليسار تعني المستقبل، أي فصيلة دمه.

من هذا التخطيط، نلاحظ أن فصيلة دم AB+ هي المستقبل العام لأنه يقبل من فصائل الدم جميعها سواء موجبة أو سالبة، و فصيلة دم O- هي المعطي العام لأنه يعطي جميع فصائل الدم سواء موجبة أو سالبة. و الطريف هنا، أن فصيلة دم O- رغم أنها قابلة أن تعطي لكل فصائل الدم، فهي فصيلة الدم الوحيدة التي لا تقبل إلا من نوعها، O-. (يعني حتى فصيلة دم O+ لا يمكن أن تعطي O-).

* التبرع بالدم:

يهمنا كمسلمين أن يكون كل ما نفعله ضمن نطاق الشرع. و في فتوى على موقع الإسلام سؤال و جواب تم توضيح جواز التبرع بالدم على عمومه على أن يكون التبرع لا يؤثر على صحة المتبرع، و تأكُد حاجة المستقبل للدم. و هذا بشكل عام هو المنهاج الذي يقوم عليه أي بنك للدم حين يقبل منك التبرع.

أما طبيا، فإن التبرع بالدم يتطلب شروطا طبية/صحية من المتبرع ليكون مؤهلا للتبرع بدمه، و هي:

1. أن يكون أكبر من 17 عاما، في بعض الدول قد يتطلب أكبر من ذلك رسميا.
2. أن يكون سليما معافى من أي أمراض، و بالأخص الدموية.
3. يزن أكثر من 50 كيلوجراما (110 باوند).
4. أن تكون المرة الأخيرة لتبرعه بالدم قبل ما يزيد عن 14 أسبوع، أو أكثر بما يتناسب مع معدل تجديد الخلايا الدموية لديك.

حين تتبرع بدم، لن تشعر إلا بألم وخز الإبرة. و بعد أن تتبرع بالدم لن تشعر بشيء خارج عن الطبيعي. إلا أنه يتطلب منك أن تحسن التغذية و تشرب كميات مناسبة من السوائل و ألا تجهد نفسك في الأيام القليلة المقبلة. هذا مع الوضع في عين الاعتبار أن أقصى حد للتبرع في المرة الواحدة هي بكمية لا تتحاوز الـ450 ملليمترا تقريبا. ذلك يعود لسبب أن خسران كمية أكبر من هذه قد تعرض المتبرع للخطر.

الدم الذي تتبرع به أنت يقدم فرصا كبيرة لمساعدة العديد من الأشخاص باختلاف حالاتهم المرضية. يُقدَر أيضا أن كل وحدة دم قد تساعد 3 أشخاص!؛ حيث أن كل وحدة من وحدات الدم مؤهلة لإسعاف من يحتاجون للدم بشكل عام و/أو خلايا دم حمراء و/أو البلازما و/أو صفائح الدم. . يدخل من ضمن المحتاجين لنقل الدم:

- الأشخاص المصابون بالحوادث بقدر خسارتهم للدم في الحادث،
- المصابون بأمراض الدم كالثلاسيميا و الأنيميا،
- الخاضعون للعمليات بشكل عام، لورود احتمالات خسارتهم للدم أثناء العملية،
- المصابون بأمراض القلب و أمراض العظام و أمراض الكبد أو الكلية و مرضى السرطان، و غيرهم.

بالإضافة للسعادة التي تجلبها لك حقيقة أنك بتبرعك تنقذ شخصا من الموت أو تعين مريضا على الشفاء، فإن تبرعك بالدم يساعدك أيضا على تقليل نسبة إصابتك بأمراض القلب. إذ تكشف الدراسات الحديثة أن المتبرعون بالدم -بتبرعهم- يتخلصون من إشكالية زيادة نسبة الحديد في الدم بشكل أكثر من حاجة الجسم و الذي قد يعود عليك بالأضرار. و لا يخفاك الأجر الوفير الذي تناله إن احتسبت أجر التبرع بدمك.

**********

بعد أن سردت عليك كل ما يهمني أن تعرفه عن التبرع بالدم، و بعد أن أكدت لك أن تبرعك بالدم لن يكلفك إلا مشقة الذهاب لبنك الدم، فإني أدعوك ألا تفوت فرصة إنقاذ حياة شخص آخر بتبرعك للدم في أقرب فرصة. و كن على يقين أنك حين تحتسب أجر إعانة غيرك، فإن الله سيكون في عونك، خاصة إن -لا قدر الله- احتجت يوما لكمية من الدم. أما تحب أن تجد ما يكفيك صحيا من الدم في حالة حاجتك له؟ -كما تدين تدان!

فاعلة خير.

______________
هامش:
* المصدر
** تفصيل الحكم للاستزادة.
*** رغم أني لست طبيبة، إلا أني استشرت العديد من المصادر العلمية الطبية في كتابة التقديم الطبي، و استعنت بأختي و أمي -و هما طبيبتان- لتأكيد المعلومات.
**** المصدر
- من المصادر المستشارة في كتابة المعلومات الطبية:
http://bloodcenter.stanford.edu/donate/faqs.html
http://www.mayoclinic.org/donate-blood-rst/know.html
http://www.who.int/mediacentre/factsheets/fs279/en/index.html
http://www.sehha.com/generalhealth/bld-donation.htm
http://www.blood.co.uk