.

"خلاص كل واحد يذبح نفسه يا جماعة"

Thursday - 15 Apr, 2010
22:16 بتوقيت مكة + 1

في حياة كل منا تحدث مواقف عابرة، قد يكون ظاهرها أبسط من أن يُذكر، إلا أنها تفاجئك بأثرها عليك و "الصدمة" التي قد تبعثها في نفسك. و الأدهى أنك تتفاجئ أيضا بعجزك عن التفاعل/التجاوب مع الموقف بشكل يجعلك في حيرة من أمرك. قد تختار بعدها أن تمضي في طريقك أملا في أن تجد تفسيرا لكل ما حصل معك في وقت لاحق. و قد تختار أن "تضع عقلك في راسك" و تفعل/تقول شيئا، رغم عظم خوفك من أن تندم على اختيارك في وقت لاحق.

بعد أن مررتُ بموقف مشابه، اخترت أن أسلك الطريق الثاني؛ أن أكتب شيئا أحاول من خلاله المساهمة في تغيير شيء. قد يكون ما حصل لا يستحق أن يولى أهمية تذكر ناهيك عن تخصيص مقالة له. لا أدري.

************


رد، أصلحه الله، مستهزئا:

خلاص كل واحد يذبح نفسه يا جماعة ، الحياة مالها داعي

معلقا على اقتباس أدرجتُه للطنطاوي رحمه الله يقول فيه:

أتأكلون و تشربون، و تلعبون و تطربون و أهل فلسطين يموتون؟.. يا للعار!!

رد ساذج جدا على اقتباس يحمل في طياته معانيَ أكبر من أن يكون لرده أثرا يُذكر. لكن خلف ستار سذاجة الرد انعكاس لمدى ارتباط الكثير في الوقت الحالي بالقضية الفلسطينية؛ لمدى بعدهم عن حمل هم الجسد الواحد.

قد تكون ردة فعلي مبالغة كبيرة لموقف "بايخ"، لكن الذي أزعجني فعلا هو أن هذا الشاب يمثل طبقة واسعة من الجيل الصاعد الآن. ارتباط معظم هذا الجيل بالهوية الإسلامية أصبح هامشيا جدا مقارنة بارتباطهم بهوية وطنية. قضايا المسلمين لهم لا تدخل إلا في نطاق "مشاكل الغير" طالما أنها لا تصب في نطاق قضايا "الوطن". المسلمون في تايلند و السودان أطراف خارجية لا علاقة لهم بها و لا يشعرون بأي انتماء لهم. و ما مبارة مصر "ضد" الجزائر و ما تبعها من "بلاوي" و خزي ببعيد.

المؤسف و المزري في آن معا أن الإسلام لم يعد منهج حياة و طريقة تفكير و بطاقة هوية. الإسلام أصبح مفهوما لا يتعدى قائمة من العبادات التي نحتاج أن نؤديها و ننتهي منها؛ أو مجموعة من المحاضرات أو الدروس نحتاج أن نحضرها و نخرج منها. و لذا فلسطين لم تعد قضية "إسلامية"، بل أصبحت قضية "سياسية" .. "وطنية". المتضررون من سيول باكستان لا يهمونا لأن "باكستان" لا ترتبط بنا "إقليميا" و سكانها لا علاقة لنا بهم "عرقيا". و هلمّ جرّا.

للوطن أهمية و لا يجب أن نغفلها، و له انتماء فطري لا نستطيع تجاهله. لكن ماذا عن أهمية الإسلام؟ ماذا عن انتمائنا له؟. الإسلام و قضاياه يا سادة و يا سيدات ليس طقوسا نؤديها أو ممارسات ندرجها على قائمة المهام أو اهتمامات قد "نتطرق" إليها في فراغنا. و مثلكم يعرف هذا، و يعرف أن الإسلام شرعه الله لنا منهج حياة شامل لكل شيء، تعاليمه و شرعه يتناول الاقتصاد و الأكل و اللباس و السفر و ... . بصياغة أخرى: نحن نعيش الإسلام، لا نمارسه فقط.

لذا يأتي دور كل فرد منا في وسط كل هذه المعمعة، أن نوجه من حولنا من الصغار و الكبار لأهمية فهم الإسلام بصورة أوسع و أشمل، لضرورة استيعاب قضايا المسلمين في كل مكان بصورة أفضل و أكثر ارتباطا بنا. كل منا يحتاج أن يستخدم مهاراته و ما يبرع به في تعليم الأطفال على الانتماء للإسلام، و توعية المراهقين لتحسين فهمهم بعلاقتنا بالإسلام و المسلمين، و تذكير الكبار بالإطار الإسلامي الذي نحتاج أن نعيد من خلاله تعريف أولوياتنا و توجيه اهتماماتنا.

و.. رد أوجهه للشاب الذي كتب ذلك الرد: "جرب أن تضع نفسك مكان شاب ينفض ركام بيته يخرج جثة أخته الصغيرة بعد القصف؛ أو مكان طفل صغير يبكي و يتألم جوعا لم يذق طعم الخبز لأكثر مما يحتمل؛ أو مكان أب يكاد يقتله همه لا يدري من أين يصرف على عياله أو من أين له أن يستر على أهله بسقف يأويهم و يحميهم القصف/الشر اليهودي الذي لا ينقطع. و من بعدها، جرب أن تهنأ بمعيشتك. عِش مديدا، لكن لا تنسَ حمل همهم و الدعاء لهم و العمل ما استطعت على نصرتهم و تذكير من حولك بهم."

فاعلة خير.