.

الأسد و الجرة

Monday - 14 Jun, 2010
18:30 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

تكثر الأمثال العامية و الفصحى التي يتضح من خلالها إيمان القائل بأن لطبيعة و شخصية الوالدين أثر واضح على أبنائهما. من هذه الأمثال على سبيل المثال، لا الحصر: "ذاك الشبل من ذاك الأسد" ، و "اقلب الجرة على تِمّا*، بتطلع البنت لإمَّا". **

أظنكما -القارئة الكريمة و القارئ الفاضل- مثلي تؤمنان بعدم صحة تلك الأمثال على إطلاقها و لا حتى كقاعدة عامة يشذ عنها القليل. إذ أنه رغم وجود الأثر الأكيد للبيئة التي ينشأ منها الطفل و المراهق و الشاب بمختلف عواملها، إلا أنه يبقى لكل شخص طريقته في التعاطي مع تلك البيئة و التجاوب معها بما يشكل شخصيته بغض النظر عن كنه أبيه أو طبيعة أمه. مثل هذا الاستنتاج آكد في التحقق في عصر كعصرنا حيث تكثر فيه العوامل الخارجية التي تشكل بيئة الشخص أثناء بلورة شخصيته، عوامل لا يستطيع الوالدين التحكم بها بشكل تام أو تقييدها بشكل مناسب لهما.

الذي بعث هذه الأفكار من مرقدها، معلومة تعلمتها حديثا أثناء قراءتي لـ "رأيت رام الله" للبرغوثي، و التي بالمناسبة أظنها أقرب لكونها سيرة ذاتية من كونها رواية. مما تعلمته من الكتاب حتى الآن هو أن الشاعر/الكاتب مريد البرغوثي، الحاصل على جائزة نجيب محفوظ لكتابه، مرتبط بـ /متزوج من الكاتبة رضوى عاشور، المعروفة أيضا من خلال رواياتها الثلاث التي تحكي قصص الأندلس. أديبان رزقا بابن "تميم البرغوثي" الذي كبر ليكون شاعرا اشتهر بعد مشاركته في "أمير الشعراء". بهذه المعلومة و في خضمّ السياق الذي أعيشه الآن، دُفِعتُ للتفكر في الأمثلة الواقعية المحيطة بي كمحاولة لتحليل أثر الوالدين على (ماهية) الأبناء.

استخدامي لهذه الأمثلة كان ناجما عن كونها لا تنحصر في إطار اجتماعي/علمي/مادي/مهني/وطني/ديني واحد. و وصلت لقناعة معدلة بعض الشيء إذ أني وجدتُ أن العامل المشترك بين كل هذه السياقات يكمن في أنه: من خلال معتقدات الوالدين، التي تتشكل بناء على مستواهم العلمي و الاجتماعي و الديني و ...، يعمل الوالدين على توجيه الابن باتجاه معين نحو ما يؤمنون أنه "الأفضل"؛ أي أن أثرهما في بداية نشأة الابن مهم و يعد نقطة انطلاق أساسية ترتكز بناء عليها بلورة شخصيته و حياته القادمة.

لكن هذا ليس كفيلا لجعل الابن نسخة كربونية عن والديه لسبيبين. أولهما أن تعريف "الأفضل" ذاته في نظر الوالدين قد يكون مختلفا عما هم عليه، فيحاولون توفير ما لم يتوفر لهما لابنهما في نشأته كي يصل لنقطة الأفضل، و التي لا تعكسهما بالضرورة إنما تعكس اعتقاداتهما فقط. و بالإضافة لذلك، اختلاف العوامل الأخرى التي تتوفر في البيئة المحيطة بالشخص و مدى أثرها عليه و تعرضه لها قد يساهم بشكل كبير أيضا بتغيير المسار أو انحرافه -بشكل إيجابي أو سلبي- عما تصوره الوالدين في الأساس.

الذي خلصت إليه، إن صح التعبير، هو أن الأبناء عجينة يصنعها الوالدين لتتشكل على يد العديد من العوامل التي لا تنحصر على الوالدين؛ و أن الشكل الذي تتصلب عليه العجينة لا تحده الصورة المتوقعة التي كانت على خاطر صانعَيها. و أنه ماء العجينة قد ينقطع قبل أوانه فتتصلب على هيئة غير مكتملة أو مشوهة. و لأن العجن مهارة تحتاج يدا متمرسة، فإن مهارة الوالدين بالتحكم بالعجينة و تشكيلها تزداد براعة بازدياد عدد (العجينات) التي مرت بين أيديهم.

فاعلة خير.

________
هامش:
* الـ (تِمّ) مصطلح سوري -أو ربما حلبي فقط، لا أدري- لتسمية (الفم)؛ يُلفَظ كما اسم Tim بالإنجليزية.
** لا زلت أجهل لمَ ينحصر تشبيه الابن على الأب؟ و تشبيه الابنة على الأم؟.. يعني، ألا يمكن أن تكون "الشبلة" من ذاك الأسد؟ أو تُقلب الجرة فيكون الابن لأمه؟.. و ماذا عن تشبه الابن أو الابنة بكلا الوالدين؟
*** مصدر الصورة.