.

درويش: الكاميرا، و الصورة، و المشْهَد

Saturday - 24 Jul, 2010
18:15 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : غذاء العقول

أما مررت يوما على مشهد أو سمعت شيئا و من عظم ما أثر بك لم تملك شيئا تعلق فيه على المشهد/القول؟ .. تشعر أن أي إضافة أو تعليق منك لن يوفي الموقف حقه؛ أن، كما تقول فدوى طوقان، "للصمت عبقريته الجميلة التي تنطق بألف فكرة و عاطفة."

مررتُ على نص مشابه. و رغم أنه ليس من أهداف المدونة أن أنقل كلام غيري لمجرد هدف النقل، هذه التدوينة استثناء خاص لمقال تم انتقاؤه لدرويش، رحمه الله، في كتابه "عابرون في كلام عابر: مقالات مختارة". المقال بعنوان "الكاميرا، و الصورة، و المشهد" كُتِب و نشر فيما بين عامي 86 و 88. و نظرا للحال الشبيه جدا الذي نمر به، وددت أن أنقله كما هو مكتفية بسؤال واحد أخرس، أو ربما اثنين، كتعليق على النص.

المقال فعلا يستحق القراءة و التفكر؛ أرجو ألا تفوت عليك الفرصة لفهم أبعاد الصورة بشكل أفضل. يقول درويش*:

************

الكاميرا، و الصورة، و المشْهَد

لعلّهم في حاجة إلى المزيد من الظلام، ليسفكوا المزيد من الدم ...

فبعد كل حفلة قتل كانوا يحنون رؤوسهم، قليلًا، أمام العاصفة، ثم يعودون إلى المرجعية الجاهزة "ما دمتُ قد قُتلت فمن حقي أن أَقتل". و يصبون العاصفة في كأس من ماء بارد. لا، ليس من حق أي ضحية أن تكون ضحية إلا إذا كانت ضحية يهودية، و ليس من حق أي جلاد، في التاريخ الآدمي، أن يستدّر دموع المتفرجين إلا إذا كان جلادًا يهوديًا، لأن الجلاد ليس أكثر من ضحية ظروف حوّلته إلى جلاد طاهر !

و حين كانت الانتفاضة، في مشهدها الإنساني البسيط، تحرر صورة الفلسطيني من التشويه التقليدي المتراكم، كانت في الوق ذاته تحرر الوعي الغربي المعقّد من الابتزاز الجشع، ليشهد على المشهد كما يرى الشاهد،
كانت الكاميرا هي الشاهد،
هي الشاهد المحايد،
هذه الكاميرا ذاتها كانت، قبل قليل سلاح الإسرائيلي في معركة تسويق الدموع الإسرائيلية إلى الضمير الإنساني، مع برتقال يافا و أفوكا الكرمل. و في كل حادثة عنف كان الطفل الإسرائيلي و المرأة الإسرائيلية هما الضحيتان المعدتان سلفا. لأن الجنود الإسرائيلين، عادة، لا يموتون إلا "موتا طفيفا". و لأن الرصاص العربي لا يصيب غير المدنيين. الجنود الإسرائيليون لا "يستشهدون" إلا في حوادث الطرق! أما الأحياء منهم، فهم إنسانيون إلى حد التفريط بقدسية الأمن، و الإفراط في تعاطي المخدرات. بعضهم يتمرد على أوامر القيادة اللاإنسانية. بعضهم ينتحر حزنًا على الشهداء. و بعضهم يُوقّع على عرائض تطالب رئيس الحكومة بوضع حد لحلم "أرض إسرائيل الكاملة". و يبلغ عذاب الضمير لدى الجندي الإسرائيلي درجة تغري المراقبين العربي بالحديث المريح عن احتمال نشوب حرب أهلية في المجتمع الإسرائيلي.

و الكاميرا هي الشاهد:
هي التي اقتطعت جزءا من الصحراء العربية و حولتها إلى جنة. الجرافات تطبخ الرمل و المستنقع و البعوض، على أنغام أماديوس موزارت المنشطة، لتحيلها إلى بساتين و بحيرات، و لتكذب كتابات الرحالة الأوروبيين عن فلسطين المزدهرة. لأن في وسع التاريخ البشري أن يبدأ من الصفر، إذا شاءت الكاميرا ذلك.

و الكاميرا هي مساحة الفارق الحضاري بين بيت في كيبوتس يربي البط و التفاح... و بين بيت من صفيح في مخيم. في البيت الأول طفلة نظيفة تلعب بمفاتيح البيانو. و أب يقرأ "تاجر البندقية" باشمئزاز. و أم تُصفف الزهور على الطريقة اليابانية. و في البيت الثاني طفلة تلعب بالقمامة. و أب يسرد تاريخ الخرافة. و أم تقشر البصل و تغسل الثياب في جردل ماء واحد.

ليس من واجب الكاميرا أن تشرح أكثر من فارق الصورتين. فهي لا يهمها أن تعرف أن سكان المخيم هم أصحاب الأرض التي أقيم عليها الكيبوتس. و لا يهمها أن تعرف أن هذا يقيم على أنقاض ذلك بعدما اقتلعه و أودعه النسيان. الكاميرا لا تبحث عن الأصول و الجذور. الكاميرا لا تعرف ما تحت المكان.. لا تدرك ما تحت الوردة؛
لأن الصورة هي الجوهر!

لقد ارتاح الإسرائيليون إلى صورتهم، في صناعة فيديو تماهوا فيها إلى درجة نسوا، عندها، أنهم هم الذين اختاروا المشهد و الأبطال و الإضاءة و العدسة. و تحولت الكاميرا من سلعة إلى عقيدة، من سلعة للتصدير إلى صورة عن النفس... صورة نهائية محكمة الجمال و الكمال، فيها من عناصر التوازن الذاتي ما يجعل الواقع انعكاسا للصورة. الواقع ظل. الواقع شتات لصورة هي الحقيقة الكلية.

و في نشوتهم بصورتهم عن أنفسهم، انتقلوا من لحظة الحاضر الذي تم تضليله، إلى الماضي ليزجوا به في تكوين الصورة المتعطشة إلى استقامة السياق، "منذ الأزل و الله لا يريد سوانا على هذه الأرض. نحن صورة الله." لم يحدث ما يعكر صفاء الصورة و لا ثباتها، فليس نبوخذ نصر أكثر من حادث إرهابي ثم تطويقه. لم يحدث شيء في صورة المتطابقة مع صورة الذات، فقد جرت عملية التسلم و التسليم بين آخر ملوك يهوذا و بين بن جوريون في طقس بروتوكولي هادئ!

منذ الأزل و إلى الأبد. "سنبقى هنا إلى الأبد. لن تقوم للآخر قائمة إلى الأبد. نحن على حق إلى الأبد. و اليهودي لا يرتكب الخطيئة إلى الأبد." و هكذا تطور الصورة طبيعتها المقلوبة -جوهرًا و مصدرًا لمعرفة الواقع- إلى وظيفة هي الهيمنة على الزمن الثابت الخاضع لمتطلباتها الخاصة، و إلى كيفية عمل التاريخ العاطل عن العمل خارج صورة الإسرائيلي فيه. إذ لا تاريخ خارج ما يحدده اليهودي من مهام للتاريخ. و هكذا تصبح صورته عن نفسه صورة التاريخ عن التاريخ!

لقد ضمن الإسرائيليون خلودهم في صورة صنعوها، بأنفسهم، عن أنفسهم، لأنفسهم... و للآخر؛ المطالب بدور واحد وحيد هو الخضوع لما تملي عليه لاصورة من ظلال! ...

و ناموا، كما لم يناموا أبدا...

و حين تمكن الحجر الفلسطيني من خدش المرآة، لم يتحسس الإسرائيليون هشاشة تكوين المادة التي صنعوا منها صورتهم، بل وبخوا الكاميرا، و خاطبوها بلغة لم يهيئوا لها لسانهم. فبدلا من أن يتساءلوا: هل نحن كذلك؟ صرخوا: هل في وسع الكاميرا أيضا أن تكون لا سامية؟

إن كثافة خداع النفس تحتاج إلى زمن طويل ليدرك الناظر إلى صورته أن تلك الصورة لم تكن صورته الحقيقية، بل صورة الحالم في مرآة، صورة الواهم و قد اندمج في وهم تفصله عن الواقع آلاف السنين، صورة الخارج من كهف الخرافة إلى تاريخ لا يعرفه. تلك هي حال الإسرائيلي المحاصر، الآن، بآلاف من الأطفال الفلسطينيين، وُلدوا على غفلة منه، وُلدوا من دون إذن: من أين جاءوا؟ ألم تكن هذه الأرض أرضا لا شعب؟ و غيرها من الأسئلة الأُولى التي تقتضي إعادة إنتاجها، بمثل هذا التدفق، إعادة نظر في الصورة ليس الإسرائيلي مُعدًا لتحمل صدمتها، من فرط ما توغل في تطور صناعم الوهم الثقيلة.

من كونه ضحية صاغت هويتها الإنسانية العالمية من هذا الشرط... إلى الانخراط في دور نقيض و في هوية مضادة، يدرك الإسرائيلي أنه لا يخوض صراعا على صورة الأرض في الحق الإلهي و في الحق الواقعي معًا، بل يخوض صراعا مع صورته الحقيقية في الصورة المتخلية التي أنتجها بأداة لم يعد يحتكرها، وفي شرط لم يعد قادرًا على تحديد هويته السابقة، و لا قادرًا على تبرير كل ما يفعل.

إن ما كان سلاحه الخاص صار سلاحا عليه. و ما كان يصور جماله و كماله صار يصور بشاعته، فأسفرت الضحية عن جلاد. و ما كان يصوره وحده، صار يصور الآخر. إن الآخر موجود إذًا. فكيف يلعن الإسرائيلي الكاميرا، و هي التي كانت الأداة الطيّعة لتواطئه مع نفسه و مع الغرب على الواقع و على التاريخ؟ فلم يجد غير هذا الاعتراض: ليس من حق أحد أن يفضح جرائم اليهود، لأنها مبررة، و لأنها دفاع عن النفس!

لكن ذلك لا يكفي، لأن حامل الكاميرا الأمريكي حريص على إحراز السبق الصحفي أكثر من حرصه على صورة الإسرائيلي عن نفسه. و هذه هي إحدى الصور: جنود إسرائيليون يدقون بالحجارة رأس الفلسطيني و وجهه و ذراعيه، بعدما أمرهم وزير الدفاع بتكسير العظام، فنفذوا الأوامر بنشوة و حق، على مرأى من ملايين المشاهدين.

هل يفعل اليهودي ذلك؟ هكذا تساءل يهود العالم. نعم، يفعل اليهودي ذلك. "لأن أمن إسرائيل أهم لها من صورتها الجميلة" كما قال الجنرال الوزير رابين.

و لكن هنري كيسنجر، وهو أحد باعة المرايا، أشد حساسية و حرصا على الصورة الإسرائيلية من الإسرائيليين أنفسهم، فنصحهم بإغلاق الواقع و المشهد أمام الكاميرا "اسحقوهم بلا تصوير"، إن رجل الكاميرا، كسينجر، الحاصر على جائزة نوبل للسلام، الذي قدم السادات قربانًا على مذبح الكاميرا الغربية، ينصح الإسرائيليين بتحطيم الكاميرا، منذ أدرك أن الكاميرا تنقل صورة الفلسطيني المدافع عن الحرية. إذ ليس ذلك هو دور الكاميرا، ليس ذلك هو مجال عملها. و بدلا من أن ينصح نفسه و ينصح الإسرائيليين بالبحص عن تجانس آخر بين الواقع و الصورة، بانسحاب إسرائيل من واقع لا يزود الكاميرا بغير هذه الصور، نصحهم بانسحاب الكاميرا من الواقع.

من مستشار للأمن القومي الأمريكي إلى مستشار لإدارة الجرائم الإسرائيلية، يداوي كيسنجر عذاب عقدته الخاصة، و يطور عناصر توازنه الداخلي المتنافرة بالتحريض على التقل في الظلام، في غابة لا شاهد فيها... في غابة لا تقوى على ابتلاع الواقع.

إن إبعاد الكاميرا عن ساحة الجريمة الإسرائيلية يوفر شروطا أكثر لإدانة الإسرائيليين، لا لأنه يغري المراقب بالتشبيه مع عنصرية جنوب إفريقيا، بل لأنه يحذف من صورة الإسرائيلي بعدا كان يشكل أحد ادعاءات تفوقه، كأن يكون الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط.

و في السجال الديمقراطي، حول الديمقراطية، الجاري بين الإسرائيليين المطالبين بانسحاب ما من بعض المناطق المحتلة "لحماية الطابع اليهودي للدولة"، و بين المطابين بالاحتفاظ بالاحتلال مع التخلي عن السكان العرب "لحماية الطابع اليهويدي للدولة"، أيضا... في هذا السجال تتقدم صورة العنصرية اسمًا وحيدًا لهذه الديمقراطية التي لا تتسع لأي غُوي [آخر]... أي أن وجود العرب، مجرد وجودهم في وطنهم الذي يحتله غيتو الديمقراطية هو تهديد لديمقراطية أَسفرت عن جوهرها: عَقْدٌ عَقَدَهُ اليهود، بين اليهود، من أجل اليهود.

لقد تمّ إبعاد الكاميرا عن المشهد. فهل يستطيع الإسرائيليون، منذ الآن، أن يعيدوا تجميع شظايا المرآة المحطمة، و أن يعيدوا تركيب صورتهم المثلى عن أنفسهم بطريقة تصلح لأن تكون هي الصورة التي يراهم فيها الغرب؟

إنه سؤال ملح على الغرب: هل يرتاح ضميره، الآن، بعدما خيّم الضباب على مسرح الجريمة؟ هل يقول: لا أشاهد شيئُا، و لا أسمع شيئًا؟ ثم يفتح الشاشة، من جديد، لمشاهد الهولوكوست، لكي تبقى الضحية اليهودية هي ضحية هذا العصر، التي يحق لها أن ترتكب ما تشاء من الجرائم السرية و العلنية ضد الفلسطينيين؟

إن على الضمير الغربي أن يسأل الآن أكثر: ماذا يحدث هناك؟ ماذا يحدث هناك؟ لأن إخفاء الكاميرا عن مسرح الجريمة لا يعني أن الجريمة، لا ترتكب. و إن إسدال الظلام على الدم لا يخفي صرخة الدم.

كم من الجرائم ارتكب أمام الكاميرا.
و كم من الجرائم ترتكب... بعيدًا عن الكاميرا.
لكن إخفاء الصورة لا تخفي الواقع... و صورة الحرية لا تحتاج إلى تصوير.

************

انتهى مقال درويش.

و أسألُ: في وقتنا، أما كان درويش ليستبدل ما تحته خط بـ "العربي"؟
أما كان ليحاول فك طلاسم سبب صمتنا -نحن المسلمين- المبهر عما يحدث في فلسطين (غزة، القدس، ...) كل يوم؟

فاعلة خير.
____________
*أعتذر في حال ورود أي أخطاء إملائية أو نحوية غير مقصودة. نقلت النص حرفا بحرف من كتاب يصعب مسكه و الكتابة في آن معا.
** مصدر الصورة.

.