.

خطٌ مستقيمٌ.

Thursday - 5 Aug, 2010
15:39 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : فوضى مبعثرة

علمتني مدرّسة الرياضيات في عهد مضى أن "أقصر الطرق لنقطة أ هو الخط العمودي." و الخط العمودي، كما شرحَت، هو خط مستقيم يربط نقطتين و يستند على كل نقطة بزاوية درجتها 90 درجة، عمودية. علمتني أمي، مهجةُ فؤداي، أنها و المجتمع يتوقعون مني أن "أمشي على الألف." و الألف حرف أبجدي عربي يُرسَم خطًا مستقيمًا، بهمزة فوقه أو تحته أو ربما متخفيةً من ورائه فلا تظهر.

تكاد تكون معظم الأشياء بشريّة الصنع مسطرة، أي خطًا مستقيمًا تُرسم به خطوط مستقيمة أخرى. يد الملعقة، الحقيبة الدوبلوماسية، الرصيف، عمود الإنارة، المبنى، التلفاز، شريط التمرير في المتصفحات، النظارة الطبية. خطٌ مستقيمٌ هنا، خطٌ مستقيمٌ هناك.

في بعدٍ آخر، البعدُ الكونيّ.. لا وجود لخط مستقيم إلا ما ندر. شاطئُ البحر، الكوكب الأرضي، الصحراء، السحابة، الجزيرة، القارة، القمر، الشجر، الجبل، المعدن الخام. يكاد يكون كل شيء متعرجًا أو منحنيًا أو متقوسًا.. لا-خطًا-مستقيمًا.

الخط المستقيم، في فهم البشر، نوع من أنواع الكمال الهندسي رغم أن الكون، بكمال صنعه، لا يعترف بتلك القاعدة أو يعكسها. كل شيء في الكون راضٍ أن يكون كما هو: خطًا متعرجًا أو منحنيًا أو متقوسًا. كل شيء في الكون يبقى على (طبيعته) التي خُلِقَ بها/معها. و كأن الكون يتحلى بـ(ثقة) متمكنة أنه لا يحتاج إلا أن يكون (هو) كي يكون جميلا/بديعا/مدهشا.

خُلِقتُ، كما غيري من البشر، خطًا متعرجًا. بي من النقص ما يكفي لتأكيد استحالة أن أكون خطًا مستقيمًا مهما حاولتُ و حاول الآخرون. فهمي، شكلي، لوني، واقعي، عقلي، عاطفتي، .. كل شيء فيّ له طريقته الخاصة في تشكيل خطٍ متعرجٍ لا يشبه في تعرجهِ خطًا آخرًا. فلمَ يتوقع مني الآخرون أن أكون خطًا مستقيمًا لا زلل فيه و لا خلل؟

كيف تحول مفهوم (الخط المتعرج) إلى مفهوم أعوج "يحتاج" إلى "التقويم"؟ و لم يحاول الآخرون أن يجعلوا من عملية التحول إلى خط مستقيم هوسًا يشغل كيان كل كائن بشريّ يريد الانسجام في مجتمع قائم على تعرّج كوني؟

أنا خطٌ متعرج، غير مستقيم. خطٌ لا يكترث لدعاوي الخطوط المتعرجة التي تحاول -عبثا- التحول لشيء ليست عليه.
أنا خطٌ متعرج لا ينفك عن الوصول إلى الأفضل.. في طريقٍ متعرجٍ.

صبا