.

"لستُ على خطأ غصبًا عن كل شيء"

Friday - 27 Aug, 2010
18:30 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

دخلتُ في الكثير من النقاشات، فيما سبق، لظروف دراستي و محيط معيشتي. تعلمت الكثير منها و من الأخطاء التي ارتكتبها بها. و كثيرا ما تحدث في النقاشات طُرَف، خاصة حين يكون موضوع النقاش قابل للخضوع لمعيار "الصحة أو عدمها"، أي في آخر الخط إما أن تكون في صف "الصحيح/الحق" أو صف "الخطأ/الباطل" باختلاف المجالات و المعايير.

من أكثر المواقف أو المراحل طرافة في مثل هذه النقاشات، هي تمسّك أحد الأطراف برأيه الخاطئ رغم أنه قد تبين له بكل الطرق الممكنة الخطأ فيما يعتقده أو بطلان ما هو عليه. لأنه، في محاولة يائسة للحفاظ على ماء وجهه* تجده يتفنن في طرق تفنيد رأي الآخر. و مهما اختلفت طرق التفنن، أغلبها يقع في نفس الدائرة من الطرق القديمة. و في الإنجليزية، قد تم تخصيص مصطلح لمثل هذه الطرق المتعددة: logical fallacies.

من هذه الطرق التي أكل عليها الدهر و شرب هي أن يتجاهل كل الذي قلته و حاججته فيه، و "يستلم" تفصيلا لا أهمية له سوى أنه وجد صدفة في حلقة النقاش. من خلال هذه المحاولة، يتطلع إلى تغيير مسار الموضوع الأساسي لشيء آخر يستطيع أن يصرف الوقت فيه بدلا من أن يعترف بخطئه أو يعلن استسلامه. تسمى هذه الطريقة Red Herring.

كذلك، يدخل في هذه الطرق محاولة استنتاج قاعدة عامة من حالة شاذة يندر تكررها أو حدوثها بشكل كافٍ لتشكيل حجة أو قاعدة أساسية. تسمى هذه Gambler’s Fallacy. و باستخدام هذه الطريقة يفند الكثير حرية المسلمات في ارتداء النقاب، إذ أنهم يعممون حالات خاصة ترغم فيها الفتيات على ارتداء النقاب و يجعلون منها قاعدة عامة تنطبق على كل النساء. بمعنى: "طالما أن 10 مسلمات أعرفهن أرغمن على النقاب، إذن حتما كل المسلمات مرغمات على النقاب."

أيضا، هناك ما يسمى بالإنجليزية: Ad Hominem، و بالأخص المهاجمة الشخصية. من خلال هذه الطريقة، يلجأ الشخص لمهاجمة الشخص نفسه و مهاجمة أخلاقه أو تصرفاته الأخرى كطريقة لتفنيد رأيه رغم صحته. بمعنى، يصبح الحوار يدور حول الشخص ذاته بدلا من الرأي نفسه. مثلا، في تدوينة سابقة نشرتها أطرح رأيي في أن أحد أفعال شخص ما لا تقوم على منطق أو سبب عقلاني. كان رد الفاضل:

ههههههه ايه شفتها. انت بس شف "فاعلة خير" واغسل ايدك. جلست اضحك عليها يوم قريت مقالها، ما توقعت اني رفعت ضغطها لهالدرجه :D

و منها نلاحظ تطرقه لاستخدامي اسمًا مستعارًا كطريقة لتفنيد رأيي. و هذا يدخل في ما يمسى بـ Personal Attack لأنه اختار الرد على الرأي من خلال مهاجمة الشخص نفسه. و من الممكن أيضا تصنيف هذا المثال كطريقة Red Herring إن كان يستخدم هذه النقطة كطريقة لتفنيد الرأي، أي تفصيلا لا علاقة له بالموضوع الأساسي بأي طريقة.

آخرون ممن يجيدون "اللف و الدوران" ، بطريقة بارعة و مذهلة تجده ينتقل من نقطة أ إلى نقطة ب إلى نقطة ج إلى نقطة أ إلى نقطة ج إلى نقطة ب، .... و الدوامة لا تنتهي. كلما انتهيت من نقطة و حاججته يعود لسابقتها بطريقة ملتوية كرد على حجتك، رغم أن النقطة السابقة قد تم مناقشتها و الانتهاء منها. و هو إما أن يكون صادقا في التيه الذي يعاني منه في الموضوع، مما يعني الحاجة لتنظيم النقاش بشكل أفضل من خلال تحليله إلى محاور متعددة أساسية يدور حولها النقاش (1. 2. 3. ...). و إما أن يكون على يقين تام بالفراغ من تلك النقطة إلا أنه يعود إليها فقط لتضييع الوقت و تأملا منه في استسلامك.

آخر الطرق التي أود التطرق لها هي طريقة Slippery Slope Fallacy. من خلال هذه الطريقة يحاول الشخص أن يقنعك أن أ حتما سيؤدي إلى ط، دون وجود أي رابط واضح و منطقي بينهما. و يستنتج بناء على ربطه الخاطئ حجة من المتفرض أن تقنعك. مثلا: أ. الشركات التي تصنع الأقلام تساهم في الاحتباس الحراري. ط. الاحتباس الحراري كارثة و أمرسيء. إذن: استخدام الأقلام كارثة لا ينبغي لك أن تشارك فيها.

**

هناك العديد من الطرق الملتوية الأخرى التي يستخدمها المصرون على الخطأ كطريقة لتجنب الاعتراف بالخطأ أو العدول عن رأيهم. و تعلمت من أخطائي، أن هدر الوقت في محاولة حصر مثل هؤلاء الأشخاص في الزاوية -حتى و إن كان يخدف هدفا ما- أمر لا فائدة ترجى منه، لأن هذا كثيرا ما يعني أن تمسك الشخص المخطئ ببرأيه ليس لأنه يرى صحته، بل تعصبا لشيء لا تهمه ماهيته أو صحته. المهم، بالنسبة له، أنه لا يمكن أن يخطئ.

و بإذن الله إن توفر لي وقتا أنسب، سأحاول استعراض كل هذه الطرق التي تقع تحت مظلة الـ Logical Fallacies كمحاولة لتقديم ما قد يثري الحوارات التي نقوم بها.

فاعلة خير.

______________
*أقول هذا من منطلق من يصر على خطأه، رغم أن العدول عن رأي ترى في غيره الأفضلية ليس مما يعاب أبدا.
** مصدر الصورة.

.