.

الناس.

Tuesday - 7 Sep, 2010
11:23 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

العيب، عُرفًا، هو الأمر الذي يُعَد مُشِينا في إطار العُرف الاجتماعي. و رغم أنه قد يتفق مع الإطار الشرعي، إلا أن ذلك الاتفاق لا يسوّيه بشكل مطلق بإطار "غير الجائز" شرعا.

نشأتُ في بيئة تعلمت فيها "العيب" قبل "غير الجائز". نشأت، كأي فتاة سوريّة، أعرف حُكمَ المجتمع و توقعاته بكل تفاصيله. و كأي معرفة، فإن معرفتي بتلك الأحكام و الأطر الاجتماعية لحقته قائمة بالواجبات و الحقوق اتجاهها. إذ أن المجتمع اكتسب، بسببها، حق إطلاق الأحكام عليّ بناء على عُرفِه. و تحتم عليّ واجبُ اتباع عرفهم و الالتزام به.

في مجتمعي، كما الكثير من المجتمعات العربية، "كلام الناس" يعد سببا مقنعا جدا و كافيًا لفعل -أو عدم فعل- أي شيء.. للفستان، للحذاء، للسفر، للدراسة، للطبخة، للشارع، ... لكل شيء. حتى تكاد تتشكل حياة المجتمع و أفراده بناء على و تحسبا من كلام الناس، و في كثير من الأحيان باتت تتمحور حوله. السيدة تفعل ما تفعله لكي تتجنب كلام الناس. و السيد يغض الطرف عن شيء لكي يكتسب كلام الناس. و لعل الطرافة في مثل هذه المجتمعات، أن الناس الذين يضيّق خناقهم كلام الناس، هم بالذات من فئة "الناس" التي تطلق الكلام!.

***

في وسط مثل هذا المجتمع، و ببداية لم تكن إلا محاولة مراهقة للتمرد على محيط أصبح في دمها، شيئا فشيئا تعلمتُ كيف ألقي بالناس و كلامهم خلف ظهري. لا أنكر أني لا زلتُ أصاب ببعض (الخدوش) من كلامهم، إلا أنها لا تذكر مقارنة بأسلوب معيشة مريحة، جدا جدا جدا!، أتمتع بها.

في بداية طريق التمرد، تعثرت كثيرا. كان جل همي أن أعكس الآية، أرفض ما يقبله الناس و أحاول تقبل ما يرفضونه، لا لشيء سوى أن أعاكس التيار. كلما ازداد إصرار الناس و كلامهم من حولي على خطأ ما كنت أفعله أو أقوله، كنت أزداد إصرارا عليه بغض النظر عن قدرتهم على إقناعي. لكن ذلك لم يدُم طويلًا. تعلمتُ بعد عدة مطبات، أن مجرد عكس الآية لا يقدم و لا يأخر. و لا يجعلني أكثر تميزا عمن حولي.

أصبح هدفي أن أفعل / أقول ما يصب في مصحلتي، سواء وافق الناس أو عارضهم، المهم أن يوافق قناعاتي. و بعد أن لاحظت من حولي كيف و متى ينحنون لكلام الناس (الفارغ و الممتلئ)، تعلمت أن قدرتي على (البقاء) تكون أقوى حين أتأكد أني لا أفعل شيئا و لا أقوله إلا عن كامل اقتناع بنفعه و صحته، و بعد دراسة -و لو بسيطة- لأبعاد ما سأقوم به. لأن مثل هذه المرحلة البسيطة قبل الإقدام، قد تكسب الشخص الكثير الكثير من الثقة في صحة اختياره و حتما تحميه بجدار مناعة من تحبيطات الآخرين.

و لأن القناعات تبدأ غضة لينة تحتاج للري قبل أن تنضج و يشتد عودها، بت أستمع لكلام الناس من حولي و أستوعبه. لكن ذلك لا يعني تقبلي له أو تأثر قراراتي به إلا بعد أن يمر على (منخلٍ) أنخل فيه الكلام الوارد لصنفين: 1. يفيدني / قد يجعلني أفضل. و 2. لا فائدة تُجنَى منه. لا يهمني.

أسلوب كلامهم لا يعنيني، رغم أنه قد يزعجني. الذي يعنيني هو: هل أستطيع أن أجني ثمرا طيبا منه؟. الثمر الطيب قد لا يكون حصيلة مباشرة من الكلام نفسه، إنما قد يكون نتيجة لتأمل بكلامهم استدعاني للتفكر بأشياء أخرى تكشف لي عن أمور قد غفلت عنها أو أستطيع أن أتحسن خلالها. و على الرغم من حرصي على الثمر الطيب، من عدة تجارب تعلمتُ أن أبتعد قليلا حين أجد كلامهم قد أزعجني / "جرحني" لدرجة لا أستطيع غض الطرف عن (غلاف هديتهم). و غالبا ما ألجأ لاستشارة من أثق برأيه ليجني عني الثمر و يقدمه لي طيبا صافيا.

**

من خلال هذه التجربة، أصبحت أرى الأثر الواسع الذي يتركه كلام الناس على من يوليه قدرا أكبر من حجمه. حياته تصبح تحت رحمة المجتمع، الذي كثيرا ما ينظر بعين واحدة ضيقة على الموقف/الشخص. و الأردى أنه مهما حاول و مهما بذل من المجهود، يبقى في نظر "بعض الناس" مخطئا. فلا يهنأ بعيش يناسبه، و لا يتفيأ برضا الناس و تبريكاتهم. و لا أظنه يمكن وصف حالهم بأفضل مما قاله الفاضل "الخطاف" في منتديات الساخر:

الوصول إلى رضا الناس أشبه بطريق طويل ينتهي بلوحة إرشادية:
- عذرًا، الطريق مسدود!

مما لا يزال يستدعي تفكرا بالطاقة العجيبة التي يوظفها البعض في سبيل السلامة من كلام الناس أو إرضاء أذواقهم. هل هناك حد فعلي لمحاولاتهم التي لا تنتهي؟ أم أنهم يستمرون في محاولة التحصيل على ما أجمع من سبق و من لحق باستحالة الحصول عليه؟

ألا يتفكرون بحال رسول الله عليه السلام في دعوته لدين الله. إن كان من أحد ليحصل على رضا الناس أجمع و قبولهم، أما كان من باب أولى أن يحصل عليه رسول الله عليه السلام؟ و هو الذي شهد له تعالى بأنه على خلق عظيم و محمل برسالة سماوية لا يأتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها. أيمكن أن يحصل أحدنا، بعد هذا، على فرصة و لو ضئيلة لإرضاء الكل؟

قلتُ سابقا على تويتر، بما معناه، أن كل ما يهم في المحصلة الأخيرة هي أن يحرص الشخص على صحة موقفه/فعله/رأيه و أن يبقى يتحرى الصحة حتى ينتهي. اتخاذ مثل هذا الموقف ليس سهلا بالضرورة، خاصة في مجتمعاتنا، لكنه أدعى لراحة البال و صفاء الذهن. و أظن أننا كمسلمين نتمتع بنعمة عظيمة، عدم تكليفنا شرعا بشيء سوى السعي لإرضاء الله تعالى. و الطرق لنيل رضاه واضحة كعين الشمس، قد بينها لنا رسول الله عليه الصلاة و السلام.

تقول أمي: "رضاك -يا ألله- و الجنة."

فاعلة خير.

__________
* مصدر الصورة.