.

كاشيرات بندة**

Friday - 12 Nov, 2010
14:27 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

كنتُ، و لا زلتُ، ممن يؤمن بأن العمل الذي يحدث فيه احتكاك مباشر بين الرجال و النساء لن يكون منتجا في مجتمع إسلامي بقدر إنتاجية العمل الذي يوفر لكل جنس البيئة الخاصة به و التي تسمح له بالتمتع بالأريحية الكاملة في ممارسة و تطبيق المهام المطلوبة. اعتقادي الراسخ بمثل هذا المبدأ هو ناتج عن خبرة عملية و ملامسة شخصية لأنواع العمل المختلفة، المختلطة و غير المختلطة.

و لهذا السبب، في بداية انتشار خبر توظيف النساء ككاشير/محاسبات في بندة، و هي إحدى أكبر الشركات التي تحتل سوق السوبرماركت-ات في السعودية، لم أكن من المشجعين.. شخصيا. لكن، بعد معايشتي للواقع السعودي، أستطيع أن أقول بملء فمي: أين هم أصحاب تطبيق مبادئ الشريعة عما يحدث في الأسواق السعودية؟ و لمَ لم ينضموا لأول صفوف مطالبي توظيف النساء كـ (كاشيرات)؟

**

رغم أن معايشتي للواقع السعودي بالكاد تتجاوز الشهر، إلا أن هذا الشهر كان كافيا لألمس الحاجة الماسة لتوظيف نساء كبائعات في السوق السعودي. لعدة أسباب. أكثرها بداهة: محلات "النساء". كامرأة تحتاج لأشياء تخصها كالمكياج (أدوات التجميل) و غيره، صدمتي لم تكن هينة حين فوجئت برجال يُتَوقع منهم تلبية حاجات المشتريات و إجابة أسئلتهن و التعامل معهن في مواضيع تخص النساء. بمعنى: بأي وجه يقف ذلك الرجل ليسوّق لي منتجات تخصني؟

المسألة ليست مسألة حياء أو مروءة -رغم أن لهذا يد-، لكن.. دعني أعطيك مثالا لتتضح لك الصورة. حين ابتعتُ -في بلد آخر و من امرأة- بعض مساحيق التجميل، احتجت بطبيع الحال لتجربة بعض المساحيق على بشرتي (لاختبار مناسبتها و لونها و ...) و أخذ نصح البائعة بحكم كونها ذات خبرة في المجال. كان من ردودها البديهية:

"لا. ذاك المسحوق سيتفاعل مع بشرتك بشكل أفضل/أنسب/أحلى/..."
أو "نعم، هذا يبدو عليك مناسبا. تبدين جميلة بهذا التدرج اللوني".

كيف ستكون إجابة "البائع الرجل" مختلفة عن تلك الإجابات إن كان يريد أن يؤدي وظيفته بأمانة؟ .. و هل فعلا يظن من وظفه أني سأرضى أن يخاطبني البائع بتلك الطريقة؟.. و الحال أردى طبعا في أمور أخرى لا أجد الجرأة للتطرق لها هنا.

بالإضافة لذلك، .. ألا يعد مثيرا للسخرية أن أحتاج، كمشترية مسلمة في بلد إسلامي، إلى أن أتناقش مع رجل في فاتورة الشراء أو حساب البضائع في حين أني أجد من تسد حاجتي من النساء في بلد آخر أقل تحفظا؟ السوق السعودي بحاجة لبائعات نسوة لأن الكثير من، إن لم يكن أغلب، المجتمع التسويقي السعودي هم من النساء!. وجود النساء في الأسواق لا ينحد على الأسواق الخاصة بمشتريات النساء. هنّ في محال بيع الملابس، الحاجيات المنزلية، الأطعمة، كل شيء.. حتى في محال بيع الشماغات، كما هو واضح في مختلف الأسواق و المولات. أفلا يكون أنسب ألا تحتاج المرأة المشترية للتعامل مع غير المرأة البائعة؟

**

لا أشكك في نوايا من منع (أو أيد منع أو ساهم في تأخير) توظيف النساء كبائعات، لكني أكاد أجزم أنهم بشكل أكيد لم ينزلوا للأسواق بشكل طبيعي كغيرهم من الناس.. لم يمروا أو يتلمسوا واقع الأسواق السعودية المعاصر. أو على الأقل، لم يروا الستر الذي تنعم به المرأة في الدول الأخرى حين يكون لديها خيار تجنب التعامل مع الباعة الرجال قدر استطاعتها.

و برأيي، استخدام حجة "منع الاختلاط" كعذر لوقف مثل هذا التقدم هو سبب أسوء من ذنب!. لمَ تسمح لي كامرأة أن أختلط مع الباعة الرجال بشكل يومي بينما بإمكانك أن توفر لي جوًا لا أحتاج فيه للاختلاط بغير الباعة النساء؟. و تقديم حل جلوس المرأة في بيتها بدلا من الخروج للسوق يكاد يكون مستحيلا كاستحالة الغول و العنقاء!. لأسباب عديدة معقدة لا أريد الخوض فيها.

باستطاعتهم أن (يقننوا) من ظاهرة التوظيف، كوضع قانون أن البائعات النساء لا يبعن لغيرهن أو أن صفوف الكاشيرات لا يمكن أن يصف بها رجال. أو أيا كان من طرق لوضع حدود ترضيهم و تحقق مبتغاهم دون منع النساء من أبسط حقوقهن!

**

و لعله من المناسب أن أقول ختاما:
أنا أحيي بندة لسن هذه السنة. و أشكرهم للالتفات لحاجة النساء المسلمات لنساء مثلهن يشترين منهنّ بكل ستر و وقار!
و أظن أني سأكتفي ببندة لسد احتياجاتي أثناء فترة بقائي هنا.

شكرًا بندة.

__________________
* مصدر الصورة.
**لا أعرف صحة لفظ "كاشيرات" عربيا رغم يقيني التام بعدم صحته كلفظ إنجليزي. لكني أستخدمه على ذمة الصحف و الجرائد التي استخدمت اللفظ.