.

مشهد 1: الرجل السعوديّ، التلقيديّ

Friday - 17 Dec, 2010
21:02 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

أجد متعة كبيرة في ارتياد الأماكن العامة، لا لشيء سوى أنها مكان مناسب و ممتع لرؤية المجتمع يعيش حياته على حقيقتها دون تشويه إعلامي أو تنميق حكومي. سواء كنتَ في مراكز التسوق أو على طاولات المطاعم أو في المحال المتفرقة باختلاف أحجامها، ستتمكن من أن ترى بنفسك ما يحدث بين العائلة و الأفراد و الجماعات، بصمت. لكن حركاتهم كفيلة بكشف الكثير لك و بالسماح لك بفهم الإطار العام للصورة. أنت فقط تحتاج أن تنصت بعينيك و تتأمل.

**

مشهد 1

سمعتُ كثيرا عن قسوة الرجل السعودي، عن اعتدائه على نسائه و أطفاله، عن تزمته و تشدده في أشياء لا "داعي" لها، عن الكثير من الأشياء التي تجعل الأصل من صورة الرجل السعودي الجلافة و القسوة. و في نفس الوقت، نادرت ما سمعتُ، إعلاميا، عن صفات حسنة قد يتمتع بها الناشئ على أخلاق المجتمعات السعودية. و رغم أني لا أؤمن بمصداقية مثل هذه النمطيات على إطلاقها، إلا أنها من دون شك تمتع بأثر غير هين على طريقة تفهم الناس لغيرهم و لما/لمن حولهم.

في إحدى مراكز التسوق اليوم، جلستُ على طاولة في قاعة الطعام الكبيرة. اخترت الجلوس في أقصى أطرافها لأتجنب (دوشة) الأطفال و (لبكة) العوائل الكبيرة. لاحظت على مقربة مني عائلة، فيما يبدو من ملامح أطفالها، سعودية. و قد بدا على حالهم المادي اليسر. كانوا 3 أو 4 أولاد و ابنة متحجبة و أم منتقبة متحلقين حول الطاولة على كراسيهم. و أب بحلة تسمى هنا حلة "مطوّع".. لحية، ثوب أبيض مقصر، شماغ أحمر و توابعه.. لم يجلس بعد.

الطاولة ملئت بفضل الله بما يكفيهم من الوجبات.و كل منهم بدأ يأكل طعامه و يقتسم بعضا من طعام جاره. مثلهم مثل كل العائلات التي ملأت المكان. إلا أن الأب لم يكن جالسا على الطاولة رغم وجود مكان له. كان يدور حول الطاولة، يطعم هذا و يساعد ذاك، يذهب غير مرة للمطعم المجاور لإحضار مناديل أو أشياء أخرى لعائلته.. بينما هم يأكلون. بقي على حاله حتى قارب أطفاله و زوجته إنهاء طعامهم، ثم سحب كرسيا و جلس ليأكل بينهم.

لا أريد تحميل الموقف أكثر مما يستحق، لكن رؤية ذلك الأب "السعودي" يرعى عائلته بكل حرص و محبة ظاهرتين لكل رائي حملتني على التفكر بوضع الإعلام و حال المجتمع الذي نعيش فيه. تصرف الرجل لا أظنه نادرا، لكني لم أسمع عن مثل موقفه يحكى عن رجال سعوديين.. رغم أني سمعت الكثير يحكى عن سوء يبدر من آحادهم و يعمم على جموعهم. مما دفعني للتساؤل: هل فعلا تصرف ذلك الرجل نادر لدرجة لا تُرَى؟ أم أن أعين الإعلام ترى ما تريد أن تراه و تغض الطرف عما سواه؟ .. لمَ يساهم الإعلام بشكل أو بآخر في تأكيد الصورة السلبية لنمط "الرجل السعودي التلقيدي"؟

سرحت أكثر فيما بعد أتخيل كيف كان ليكون مثل ذلك المشهد مرويا في الأخبار.. كيف كان ليُفسَر تصرف الأب؟. لا أدري لمَ أتوقع أن يفسر تصرفه على أنه كان يفعل ما يفعله لأنه مهووس بمراقبة أهله، لأنه لا يثق بهم، لأنه يؤمن بقصور عقل زوجته، بعدم مقدرتها على تحميل المسؤولية. .. لأنه "رجل سعودي تقليدي" لا بد أن يكون لتصرفه أبعاد سلبية مقيتة.

**

علمتني مدرّستي أن صياغة الأخبار فن قصصيّ بحت، يستند على شعرة من واقع! و لتتلمس بنفسك مثل هذا الأثر، تتبع خبرا معينا ينقل على أكثر من محطة إخبارية، و بالأخص أولئك اللواتي لا يتفقن على المنهج السياسي. سترى كيف أن الحقائق الثابتة -الشعرات- لا تعني ثبات طريقة تقديم الحقائق بطريقة تختلف كثيرا جدا جدا لدرجة تأثيرها على طريقة تلقي المستمع للخبر و فهمه له.
.. و ما خبر "الميكي ماوس" ببعيد.

صبا
_____
* مصدر الصورة.