.

هلع أمطار جدة

Thursday - 30 Dec, 2010
15:59 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

من عدة مواقف و تجارب سابقة، أزداد يقينا بما قاله السباعي في كتابه "هكذا علمتني الحياة". يقول فيه:

"مشكلات الطائر و هو يحلق في السماء، لا يفهمها إلا طائر مثله."

سمعتُ العام الماضي عن أمطار جدة و سيول جدة، عن الأرواح التي حُصِدَت، عن الحيوات التي تعطلت، عن حزنٍ و خوف تشربته قلوب أهل جدة، عن محاولات شبابية لإعادة بعض حياة للمحتاجين.. سمعت و رأيت كغيري الكثير عن جدة في مثل هذا الوقت من العام الماضي. و كغيري من المسلمين و كغيري من العرب، لم نملك سوى أن نكثر من الدعوات و متابعة كل القنوات الممكنة. تسنى لي هذا العام أن أعيش "أمطار جدة"، أن أكون جزءا من (المعمعة). لأرى بنفسي جزءا من المعضلة!

مما رأيتُ، كمية هطول الأمطار في المناطق التي مررت بها لم يكن كمًا مخيفًا بالمنطق العام. في دول أخرى، اعتدتُ مثل غيري على كميات أكبر و أشد من الأمطار دون أن يتسبب بهلع عام أو نتائج مخيفة. المطر كان مطر رحمة. و لكن الهلع من حولي و هواتف الطالبات التي لم تتوقف عن الرنين أو الاهتزاز لم تكن لتعكس تهللا بالرحمة المتنزلة. الكل كان في هلع، الكل يريد أن يعود لـ (وكره).

استغرابي من ردة الفعل التي بدت مبالغ بها في وقته شاركتني به إحدى الزميلات التي لم تشهد أمطار جدة من قبل. دهشتنا لم تنقطع حين ركبنا الحافلة الصغيرة لنعود إلى منازلنا. الطريق من مقر عملي لمنزلي لا يستغرق عادة أكثر من نصف ساعة في أوقات الزحمة، و في الصباح الباكر نستطيع أن نصل في ظرف 15 دقيقة. في يوم زخات المطر الخفيفة، البارحة، احتجنا لـ ساعتين و نصف للوصول إلى المنزل!

كل الشوارع امتلأت بالسيارات و الحافلات و التكاسي التي تريد أن تصل قبل الأخرى.. و التي بدورها تعيق الأخرى!. الكل في هلع، الكل يريد أن يصل إلى بيته. الكل في سباق مع نفسه و مع غيره. الكل لا يتحرك إنشا واحدا!

شبكات الهاتف أصبحت مشغولة، مشغولة، مشغولة.. و في كثير من الأحيان: مقطوعة!. الكل بيده هاتف أو ربما اثنين، يتحدث على هذا و يرسل رسالة من ذاك. الكثير من الشوارع، لدهشتي و دهشة رفيقتي العظيمتين، كونت بحيرات متسخة تصل لحد الرصيف. و الأردى، أن الكثير من السائقين لم يفطنوا لبداهة "لا تُسرع حين تقود سيارة في بركة مياه." !

كل هذا حدث من (نقطتين) مطر!

**

المشكلة ليست في المطر ذاته، كما قد يظن السامع من الخارج. لكن المشكلة كانت و لا زالت في طرق تعاملنا و تعاطينا مع المطر و توابعه.

حالة الهلع التي سيطرت على سكان جدة البارحة، لم تكن بأي حال طبيعية. و المشكلة أن الهلع نفسه زاد من تفاقم المشكلة بدلا من أن يخفف من أثرها، أو بصياغة أخرى: الهلع نفسه خلق مشكلة أكبر!. الناس بقيت عالقة تحت المطر، لا هم في بيوتهم و لا هم في الأماكن التي كانوا آمنين فيها قبل المطر. مما يستدعي تفكرا بقدرتنا على التعامل مع الأزمات و تحمل تبعاتها بطريقة لا تؤدي لأزمات أكبر و أسوء.

لا أظن الأفراد وحدهم مسوؤلين عن مثل تلك المشكلة. بل هي عوامل متعددة تساهم في خلق مثل هذه البيئة التي ترعى و تخلق الهلع. أولها الإدارات التي سمحت لكل أولئك الناس أن يتركوا عملهم أو مدارسهم أو جامعاتهم ظنا منهم أنهم يساهمون في حل المشكلة أو تفاديها. كان من الواجب أن تقوم جهة أعلى بترتيب مثل هذه المسائل و تنظيم الانصراف من المناطق و الجهات بشكل يخفف من أزمة السير و يسمح للجميع أن يكون في مأمن حتى يصل منزله مع أهله و أحبته.

أتفهم الأسباب الممكنة لهلع من عايش أمطار جدة العام الماضي، خاصة مع كثرة القيل و القال و القصص التي يتناقلها نسوة الحارة و الآثار الواضحة التي تُرى في أحياء جدة و شوارعها من (حبتين) مطر، لكن تبقى هناك حاجة ماسة لتوعية الأهالي و الأفراد و الشركات و غيرهم لكيفية التعامل مع مثل هذه المواقف بشكل منظم يساعد على تجنب المخاطر قدر الإمكان، ليس زيادتها. خاصة و أن أمطار جدة مهما كانت خفيفة، كما يبدو، ستبقى مصدرا للهلع و الخراب لفترة ليست هينة.

في جدة، نحن بحاجة لدورات تدريب و دروس تعلمنا التعامل مع الأمطار و الطرق المثلى للتصرف في تلك الأوقات باختلاف أدوارنا، بالضبط كما نتعلم التعامل مع الحرائق و الطريقة المثلى للتصرف في أوقاتها. نحن بحاجة لمراكز إيواء يلجأ إليها أهالي جدة في مختلف مناطقهم للاحتماء من تبعات المطر و للتخفيف من الهلع في الشوارع.

صِبا

_______________
* مصدر الصورة.

.