.

كبرتُ و فهمت

Monday - 10 Jan, 2011
18:59 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : فوضى مبعثرة

ما حدث معي لم يكن مميزا و لا شاذا، لكن تصرفي اتجاهه و طريقة تفاعلي مع ما حدث.. دفعتني لكثير من التفكر بما مضى و بتنهيدة والديّ حين كانا يقولان: "بكرة تكبروا و تفهموا."

**

كأي ابن/ـة في سني المراهقة، كثيرا ما كنتُ "أعترض" على قرارات والديّ، "أحتج" على أفعالهما. و رغم تغير أسلوب الاعتراض و الاحتجاج بعد أن كبرت، لا زلت حتى الآن أناقشهما و أختلف معهما في بعض مما يتخذانه من قرارات و أفعال.

والديّ، حفظهمها الله كما تحمّلاني و ربياني صغيرة و كبيرة، كانا و لا زالا يفتحان الباب للمناقشة في اتخاذ القرارات العائلية و مداولتها فيما بيننا. و رغم أنهما نادرا ما يسدا الباب أمام نقاشاتنا و اعتراضاتنا التي لا تنتهي، إلا أن بعض القرارات -أو ربما الكثير منها- كانت تتخذ بغض النظر عما كنا، الأبناء، نعتقده. و يبرران لنا: "بكرة تكبروا و تفهموا."

لم تكن تلك الحجة تقنعني. و لم تكن تستند على منطق أعقله. "ما الذي سيتغير حين أكبر؟".. لا شيء. الأمور من منظاري كانت واضحة جليّة، لا شيء سيتغير.

**

اليوم، بعد أن تصرفت بذات الطريقة التي يتصرف بها أبي في موقف مشابه و التي كنت أنكرها، أدركتُ أن مسألة فهم الآخر ليست مسألة عمر أو نضج بقدر ما هي مسألة معايشة و تجربة. ما كان يمكن أن أمرّ بما يمر به والدي في نطاق عمله الجامعي و أتفهمه اليوم لولا أني ارتديت حذاء كحذائه و مررت بشارع كأحد الشوارع التي مر بها في تجربته الأكاديمية.

مما دفعني للتفكر في حال الكثير من الأشياء أو الأشخاص أو المواقف التي نحكم عليها مسبقا ظنا منا أن أفهامنا و عقولنا ناضجة بما يكفي لاستعياب الموقف و الحكم عليه. اليوم أدركته أنه مهما بلغ بنا الفهم أو الذكاء أو حتى الخيال، لا تزال هناك تفاصيل دقيقة و محورية لا يمكن الإحاطة بها ما لم نخض غمار الشيء / الشخص / الموقف، تفاصيل مهمة تؤثر في طريقة و ناتج الحكم الذي نخرج به.

الكثير من الأمثلة تندرج في هذا الباب. و رغم أنني كثيرا ما كنت أؤمن بأنه، كما يقول السباعي، ""مشكلات الطائر و هو يحلق في السماء، لا يفهمها إلا طائر مثله"، إلا أني اليوم وعيت لأبعاد أكثر و أكبر للتطبيق و الفهم العملي بذلك.

**

لا أظن أني سأعترف لوالديّ أن حجة "بكرة تكبري و تفهمي" باتت منطقية، أو أني "كبرتُ و فهمتُ" ما كنت أعجز / أنكر أن يُفهم بغير طريقة واحدة. و أعتقد أني سأظل أختلف معهما / أناقشهما في الكثير من اختياراتهما و قراراتهما في كل شيء.. إلا أني الآن أستطيع أن (أتفهم أكثر) خياراتهما و أبررها بعقلانية أكثر.. أنْ: "لعلي أطير يومًا، فأفهم."

يا ربّ، وفقهما، بارك لهما و بهما، أعِنهما، ارحمهما، اغفر لهما، و اجعلني لهما قرة عين و مصدر سعد و هناء.. و ارزق من أمّن المثل.

صِبا

___________________
* مصدرة الصورة.