.

النقد و التقدير

Monday - 24 Jan, 2011
23:33 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

ربتني أمي على مبدأ "رحم الله امرء أهدى لي عيوبي." كانت -ولا زالت حفظها الله- تخبرني المرة تلو الأخرى أنها حين تشير لـ "عيوبي" / "سلبياتي" / ... إنما تحرص على أن تشد انتباهي لما أحتاج أن أرممه أو أعدله. أمي تؤمن أن الإيجابيات و المجاملات لا يعجز عن سردها الغريب و القريب، لكن السلبيات لا يطلعك عليها إلا من يحرص على مصلحتك و تقدمك، أو يظن أنك تستطيع أن تقدم أفضل مما قدمته.

**

في نطاق عملي السابق، لحرصي و حرص إحدى الزميلات الجدد مثلي على أن نقدم أفضل ما لدينا للعمل، صرفنا جهودا و أوقاتا مضاعفة لنؤدي العمل. و رغم بعض المطبات التي واجهتنا، كحال أي مستجد، إلا أن كل منا تميزت في أشياء لا يمكن إغفالها. الملفت للنظر أن جل ما كان يصلنا من الكلام هو النقد -الإيجابي- لأخطاء كنا نرتكبها. و رغم أنه كان بأسلوب محترم و مهذب و منمق جدا، إلا أن كثرته مقارنة بقلة التنويه لحسن صنع نقوم به جعلتنا .. أحيانا.. نصاب بالإحباط.

أعرف أن ما كنا نفعله كان من المفترض أن يكون لوجه الله و لا حاجة لنا لإطراء عابر، و أن حرص الجهات المعنية بتطورنا شجعهم على تنبيهنا لفلتات تصدر منا.. لكن، كانت حزة في البداية. تلتها تجاهل منا، بشكل لا شعوري، للأشياء الإيجابية التي كنا نفعلها لنركز على الأمور السلبية التي نحتاج تحسينها.و لبرهة، خسرنا المشيتين؛ لا أحكمنا مشية الغراب و لا مشية البطة.

**

الموقف قديم. لا أدري لمَ تذكرته الآن. لكن تفكرت في الأمر كثيرا، في الجانب النفسي الذي خضناه إثر ما حدث و في الدرس الذي علمتني إياه أمي. كان يُقدَم لي نقد إيجابي يساعدني على التطور و التحسن، و هذا أمر إيجابي. لكن ما الذي يفسر المشاعر السلبية المحاطة آنذاك؟

لكني الآن أعي أن تلك التجربة مكنتني، لأول مرة، أن أتفهم الأثر السلبي الذي قد يُترَك حين تظل الأنظار موجهة للسوء بينما تتجاهل الخيّر. حاجتنا للنقد الإيجابي لا تنفي حاجتنا للتقدير. كإنسان يسعى للتقدم، أنا بحاجة لمن ينتقدني ليظهر لي نقاط ضعف أحتاج تقويتها، لكني في نفس الوقت، كي أستمر في العطاء بشكل حسن أحتاج لمن يخبرني بنقاط قوتي كي أحرص على بقائها قوية و محصنة.. كي لا أتجاهلها في خضم المعارك التي أخوضها للتغلب على نقاط ضعفي.

لذا هي دعوة أقدمها لك، كولي أمر/مدير/موظف/صديق/ابن/...، حاول أن تجد التوازن المرضي بين ضوء تسلطه على السوء و ضوء تسلطه على الحسن. بالضبط كما نجد القرآن يحرص على ترهيبنا من النار بنفس القدر الذي يحرص فيه على ترغيبنا بالجنة.

صبا
___________________
* مصدر الصورة.