.

لنحترق معًا

Thursday - 20 Jan, 2011
01:04 بتوقيت مكة + 1

كان مما تتندر به أمي لتحذيري من تتبع صرعات من حولي:

"هل إن ألقى من حولك أنفسهم من على الجسر تلقين نفسك من على الجسر؟"

.. كانت، في "العهد" الذي تستدل أمي بهذه القصة، فكرة الانتحار من الحدود الحمراء الواضحة وضوح الشمس في ظهيرة صحراء الربع الخالي؛ بمعنى آخر، كان معروفا أنك عندما تنتحر، أنت تتعدى على حقوق الله، أنت تعطي نفسك حقا لست أهلا له، أنت ترفض نعمة من نعم الله عليك "الحياة".. أنت تستسلم و تلقي بنفسك في جهنم. لكني أظن أن أمي لم تعُد تستطيع الاستشهاد بتلك القصة في أجواء اليوم!، بعد أن أصبح الانتحار -بأي شكل كان- مما يُعتَبَر من التضحيات السامية و التقربات النبيلة طالما كانت لـ "غاية أعظم".

**

الليلة، بعد أن قرأت خبرًا مفاده أن محاولات الانتحار بالحرق تتزايد في الدول العربية، و من باب أن أكون قد قمت بواجب الإنكار و التفكر بصوت عالٍ في وقت واحد، نشرت على تويتر:

"خطأ + خطأ ≠ صح.. حرقك لنفسك / لأحلامك / لمستقبلك لن يرفع البؤس عنك أو عمن حولك! ؛"

صدمتي ببعض الردود فاقت صدمتي بالخبر ذاته، إذ رد بعض الأفاضل و الفاضلات مبررين الإقدام على الانتحار حرقا على أنه قد يكون من مظاهر دفع عجلة تطور المجتمع إلى الأمام. حاولت التفكر بخطرات عامة ردا على ما تفضلوا به، لكني عجزت.. و لا زلت أعجز. أشكرهم لكريم ردودهم و مشاركة آرائهم و أتفهم حرية اعتقادهم و أحترم موقفا يتخذونه، لكني لا أستطيع تفهم منطقا يستندون عليه.

**

أنا أتفق معكم أن الإيثار مفهوم نشجعه في شرعنا. و خدمة المجتمع من أهم الأسس التي يقوم عليها ديننا. لكن.. كما توجد، عُرفًا، شعرة بين الجنون و العبقرية؛ توجد شعرة بين الإيثار المطلوب/المقبول و بين إلقاء النفس إلى التهلكة، بين خدمة المجتمع و بين طحن النفس و سحقها!

نعم.. حثنا الله تعالى و شجعنا نبيه عليه الصلاة و السلام على الإيثار و خدمة المجتمع في مواطن عديدة، لكن في نفس الوقت، لم يكن الفرد يومًا، في القرآن و السنة، يُقدَم كبشًا لفداء المجتمع، لم يكن يومًا عربون تضحية لبناء حضارة أو "لغاية نبيلة".. مهما كان الحال أو الوضع. "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" .. و "لا تزر وازرة وزر أخرى" ... "لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" ... "لجسدك عليك حقا" ... و غيرها الكثير من الاستشهادات.

سوء الأوضاع لا يبرر لك الإقدام على الانتحار -بأي طريقة- لخدمة أي قصد كان، مهما كان نبله!.

باستطاعتك خدمة مجتمعك و الحفاظ على روحك و أعواد الكبريت في وقت معا. عمل تخلص به و تؤديه بأمانة، أو طالب تعلمه و تنمّي فيه روح العلم، أو معدة فقير تملؤها، أو دفعة تقدمها لمن يحتاجها.. كل هذا سيساهم، عاجلا أم آجلا، برفعة مجتمعك و خدمة كل المقاصد النبيلة التي تحلم بها. أوافقك أن الأثر قد لا يكون جليا كما تتمنى، لكنه أدوم و أطول مفعولا من أن تحرق نفسك في ظرف ساعة.

دعنا نتفق أن نحترق معًا لخدمة المجتمع و أنفسنا في وقت معا. دعنا نحترق من دون أعواد كبريت أو عُلب بنزين. لنحترق معًا بجهودنا و إخلاصنا و دعواتنا و صدقنا في تأدية أمانات أوسدت إلينا، من دون لهب.

أعتق الله رقبتي و رقبتك -و من نحب و من أمن- من النار.
صِبا

________________
* أنا، واللهِ، لا أقصد بأي صورة الاستهزاء بأي شخص أو بمعتقداتهم؛ لكني لا أملك أن أعبر عن دهشتي بالمبدأ المتحور الذي بدأت بذوره تزرع في نفوس "الأجيال الصاعدة".. و لا أظن أنه من الممكن تهويل خطر فكرة "التضحية بحياة شخص من أجل حياة مجتمع" بالقدر الكافي لأنها عظيمة و خطيرة جدا.