.

صف الانتظار

Thursday - 14 Jul, 2011
13:28 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : تربية و تعليم, زحمة البشر

كنت في صف الانتظار مع (مثقفة) في أحد البنوك في السعودية، بدأتْ تتذمر من حاجتها للانتظار لصف طويل. تخطت الصفوف و وقفت أمام النافذة، حجتها أنها "امرأة" و لها "الأولوية" . صدمتي لم تكن توصف من تصرفها، بالأخص أنها كانت ممن ينتقد التخلف الحضاري الذي نعيشه. ممن يمجد حضارة تعيشها الدول الأخرى التي تحترم النظام و تطبقه. بأي حق تنتقد -هي- تراجعا حضاريا نتجرعه بينما هي أحد مسببيه؟

منذ أن كنتُ صغيرة، عُلِمتُ أن أقف في الطابور و أنتظر دوري حتى يحين. في المسجد، عُلِمتُ ألا أتخطى الرقاب لأصل لمكان أفضل. كنت أحسب كل ذلك بديهيا / فطريا، حتى أتيت للسعودية. في أول مرحلة عيشي في السعودية، من صدمتي مما كان يحدث، كنت أسكت حين يتقدم أحدهم و يتجاوز دوري. ظنا مني أنها من الطوارئ. لكن بعد أن تكرر الأمر مرات عدة، وعيت أن احترام الآخرين في (الطوابير) أمر يكاد يصبح مستحيلا هنا. المسألة بالنسبة لي أكثر من كونها مسألة حرق أعصاب و تجاوز حقي في الدور، هي مسألة وعي لحقوق الآخرين و لثقافة الانتظار.

***

البارحة، كنت أتسوق. وقفت في أول الرحلة في "طابور" أنتظر أن ينتهي رجلا من استخدام آلة الصراف.. لأنه رجل، تركتُ مساحة واسعة تفصل بيني و بينه. بعدما انتظرت لما يزيد عن خمس دقائق، و من حيث لا أدري، تأتي امرأة مع رجل يرافقها و تضع يدها على باب الصراف لتدخل.. متجاهلة الصف الذي خلفها. لم أتحرك، و بكل بساطة قلتُ: "لو سمحتِ، أنا أنتظر في الصف."

أجابت -بكل تواضع و "كرم" و "سخاء"-: "أوكي. معليش، تفضلي." (كنت على وشك أن أسألها: "لا يا شيخة؟" ، لكن الأمر لم يكن يستحق)

تكرر ذات الموقف 3 مرات في نفس الرحلة. رجل أمام مصرف آخر. امرأة أمام مطعم. و امرأة أمام محل تجاري. و يتكرر كل مرة أخرج فيها، كل مرة. من نساء و رجال

**

وددت التحدث عن مثل هذا في المدونة لأنه في الآونة الأخيرة، كثر الحديث عن "الثقافة" و "المثقفين" الذين باتوا أكثر من بياعي الخضرة في مجتمعاتنا. لكن تعريف تلك الثقافة -في الغالب- لا يتجاوز الكلام الفلسفي و النظري الذي يصدر من أكثرهم. لا يتعدى النظر إلى ما بعد شهاداتهم و خبراتهم العلمية.

كل تلك الثقافة و التعريفات، بالنسبة لي، كلام فارغ إن لم يصاحب تلك "الثقافة" سلوكيات و أخلاقيات الثقافة. الثقافة ليست مجرد شهادة تُبَروَز، أو فلسفة تُمَجَد. الثقافة، كما قلتُ سابقا، أخلاق و سلوك قبل أن تكون أيا من ذلك.

الثقافة تعني أن تحترم صف الانتظار، أن تتصف باللباقة الكافية لتلقي المهملات / الأوساخ في مكانها، أن تتحلى باللياقة الأخلاقية المطلوبة لتقول "شكرا" لكل من يسدي لك خدمة حتى و إن كان خادما يؤدي عمله أو تسبق طلبك بـ "لو سمحت" / "من فضلك" ، أن تتصف بالذوق الكافي لتدق الباب و نتنتظر الإذن قبل أن تفتح بابا موصدا أو تدخل مكانا مغلقا... و غيره. قد تكون في عُرف البعض أشياء بسيطة، أو ربما تفاصيل دقيقة، لكنها هي من أهم أسس الثقافة و علامات التقدم الحضاري و الأخلاقي.

مشكلتنا كمجتمع أننا -في الغالب- لا نكترث لمثل هذه الأخلاقيات و لا نتطلع.. و لا نعلمها لأبنائنا. يصرف الكثير منا جُل وقته و ماله في سبيل تعليم أطفاله و تحصيل شهاداتهم، لكنه يغفل عن تعليهمهم أساسيات الأخلاق و سلوكيات التحضر. يتضايق حين يتراجع تقدم ابنه العلمي، لكنه لا يلقي بالا حين يصله صوت ابنه يسب و يشتم أو يراه بعينه يلقي بالقمامة على الأرض.

تحضر مجتمعاتنا لن يتم من خلال الكتب و العلم و حسب، بل تلك الحضارة، في المقام الأول، بحاجة لمن يسقي أفرادها بالأخلاق و السلوكيات الأساسية لنعلو قمة الهرم الحضاري و الثقافي. عيب، والله، أن تكون شوارعنا و حدائقنا مكومة بالأوساخ بينما ندّعي انشغالنا بملء عقولنا بعلم لا يسمن و لا يغني من جوع إن لم يُطبَق على الواقع.