.

"شو بدك تصير لما تكبر؟"

Thursday - 18 Apr, 2013
17:26 بتوقيت مكة + 1
صُنِف في ملف : زحمة البشر

من الأسئلة المتكررة التي يلجأ لها الكبار لمحادثة الصغار حين لا يكون لديهم ما يتحدثون عنه: "شو بدك تصير لما تكبر؟" ... و كثيرا ما تكون أجوبة الأطفال مرآة تعكس البيئة التي ينشأون بها، بشكل يثير الدهشة و التفكر.* توجيه هذا السؤال للأطفال منذ صغرهم بشكل متكرر، من شأنه أن يساعدهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تشكيل أهدافهم و توجيه طاقاتهم نحو تحقيق ذلك الهدف الذي ترسخ في أذهانهم مع التكرار. كنت أحسب طويلا أن الأغلبية خضعوا لتأثير ذلك السؤال البايخ / السحري، و بالتالي تشكلت لهم خطوط عريضة تشكل سير حياتهم، بشكل عام و فضفاض جدا.

لكن بعد تدريس أعمار متباينة جدا و بيئات مختلفة كثيرا هذا العام، صدمتني الاستثناءات التي تكاد تشكّل قاعدة عامة لكثرتها! و لا أخفي أنه أحزنني كثيرا الطلاب الذين تكاد أعمارهم تصل للـ 30 أو تجاوزه و لا زالوا يتخبطون في "الحياة" دون بوصلة عامة توجه قراراتهم أو تساعدهم على ترميم أخطائهم.

المشكلة في عدم وضع مثل هذا الهدف العام، هي أن قراراتك التي تتخذها لن تتصف بشيء سوى العشوائية البحتة، لأنها لا تتحدد بإطار عام تريد أن تتشكل عليه حياتك. كحال طالب دخل الجامعة دون تحديد اختصاص له. تجده يتخبط بين الكورسات (المساقات) يمنة و يسرة، و ينتهي به المطاف بعد أربع سنوات من الدراسة بنفس العدد من الكورسات التي أخذها زملاؤه، لكنه، على عكسهم، لن يجد أي فائدة من الأربع سنوات في تحصيل شهادة تخصص معين لأنه شتت تركيزه و لم يحدد مساره من البداية.

هدفك الذي تضعه لنفسك لا يحتاج أن يكون منحوتا في حجر سرمدي، إنما هو مسوّدة مؤقتة حتى إشعار آخر تساعدك على توجيه شراع حياتك نحو شيء له معنى أو يصب في شيء ذا فائدة، و لو كان بشكل مؤقت. و كما أنه يساعدك في لم فتات أخطائك و استخدامها لبناء ما هو مفيد و صامد في وجه ما يصادفك في حياتك.

هدفك لا يحتاج أن يكون كبيرا / عظيما؛ هدف صغير هين كافٍ لتوجيهك لمدة عام يؤدي نفس الفائدة و يساعدك مستقبلا على تكوين هدف عام / أكبر يخدمك في حياتك. لكن إن لم يكن لديك هدف (أهداف)، بأي حجم كان، يحدد سير الأحداث الإرادية في حياتك، أنت بحاجة طارئة / ماسة لأخذ وقت كافٍ للاختلاء بفكرك و بورقة وقلم تستحث فيه فكرك لتخرج بقائمة أهداف تساعدك على فهم ما الذي تريده في آخر مطاف حياتك. سَل نفسك: ما الذي أريده لنفسي؟ كيف أريد أن يكون حالي بعد عام/خمسة أعوام/عشرة ...؟ و بناء على جوابك لهذه الأسئلة، ضع خطة عمل عامة تساعدك على توجيه طاقاتك و اتخاذ قراراتك بسهولة و يسر.

تغيير ذلك الهدف بعد فترة ليس عيبا و لا مستحيلا، بل لعله يكون ناتجا عن فهم أكثر لواقعك بعد المرور بتجارب كافية و تجاوز عقبات متعددة. لكنه يجب ألا يكون ناتجا عن تنازل عن حقك في أن تكون أفضل أو تكسب معيشة أنعم... إلا إن كنت تملك أكثر من حياة!

لا تضيع المزيد من العمر في تخبط لن يزيدك إلا ضياعا. حدد هدفك، و اعمل نحو تحقيقه بكل صورة ممكنة.

دامت أهدافك كبيرة عظيمة ترشدك في طريقك
صبا

_____
*هذا باب آخر يستحق الكثير من التفكر لكنه ليس محور تفكري اليوم

.